--------------------------------------------------------------------

المشاركات الشائعة

زوار المدونة

أحدث التعليقات

المتابعون

إحصائية المدونة

تعلقات القراء

إقرأ أيضا

الحركة الإسلامية.. وحصار الخطاب الوسطي

د. رفيق حبيب
   من بين المشكلات التي تواجه الحركات الإسلامية، هي أن خطابها تراقبه الدول الغربية والأنظمة الحاكمة والنخب العلمانية، كما تستمع له الجماهير، فيصل الخطاب إلى أكثر من متلق، لكل منهم مواقف مختلفة.
فالخطاب الموجه للجماهير، يفهم من خلال الموروث الحضاري والثقافي للمجتمع، ولكن هذا الخطاب يراقب من قبل العديد من الجهات التي تقيسه على الوضع السياسي القائم، وترى مدى خروجه على النموذج السياسي القومي العلماني. فينتج عن ذلك مواقف متعارضة بين ردود فعل النخب الحاكمة والعلمانية والدول الغربية على الخطاب الإسلامي، وردود فعل الجماهير عليه.
وخطاب الحركة الإسلامية موجه أساساً للجماهير، ولكن كل الجهات الفاعلة والحاكمة تراقبه وتعمل على تشويه صورته، بقدر ما ترى أنه يغير الأوضاع السياسية القائمة.
                             شعارات منَفرة
وتبدأ عملية حصار الحركات الإسلامية من خلال حصار مصطلحات بعينها، وتشويه بعض التعبيرات والشعارات والمصطلحات، حتى تجد الحركة الإسلامية نفسها داخل سياق معاد لها، ويحد من قدرتها على إعلان خطابها بصورة واضحة، بعيدا عن التشويه المتعمد، إلى الجماهير التي تستهدفها بخطابها. مما يجعل الحركة الإسلامية غير قادرة على رفع شعاراتها وإعلان غاياتها بالصورة الواضحة، والتي تساعد على شرح رؤيتها للجماهير. كما يؤدي هذا إلى حرمان الحركات الإسلامية من شعاراتها القادرة على جذب الجماهير، ومن رفع اللافتات التي تساعد على تعبئة وحشد الجماهير.
ومن الواضح أن تلك القيود المفروضة على الخطاب الإسلامي، تؤدي إلى عرقلة مسيرته، وتحد من قدرته على الانتشار، كما تحد من قدرته على توحيد جهود التيارات الإسلامية المختلفة. لأنه في ظل الحصار المضروب على التيار الإسلامي، تأخذ كل حركة أو فريق موقفا مختلفا، بين من يتمسك بشعاره ويتشدد في تعبيراته، وربما يخاصم الوضع القائم جملة، وبين من يحاول الحفاظ على تميز خطابه السياسي الإسلامي، ويحاول الرد على الشبهات المثارة حوله، والحفاظ على اعتدال الخطاب، ومن يحاول التجاوب مع المصطلحات المسموح بها في ظل الوضع السياسي القائم، ويتنازل عن المصطلح الإسلامي المميز.
                          ردود الفعـل
ولعل العنوان الأبرز للحركة الإسلامية في المجال السياسي، تمثل في عنوان الدولة الإسلامية، فالمشروع الإسلامي يبني دولة تستند على المرجعية الإسلامية، لذا فهي دولة إسلامية، ولكن رفع شعار بناء الدولة الإسلامية في العمل السياسي، أصبح يواجه بردود فعل شديدة، لأن ذلك يعني أولا أن المشروع الإسلامي يهدف لتغيير جذري في الواقع، كما يعني أن الحركة الإسلامية تحشد الجماهير من أجل بناء مرجعية جديدة للدولة، وأنها تريد تغيير الوضع القائم.
والمشروع الإسلامي يستهدف بالفعل بناء دولة على المرجعية الإسلامية، إذن فغايته إقامة الدولة الإسلامية. ولكن رفع هذا الشعار، أصبح ينظر له على أنه عمل عدائي للدولة القائمة، خاصة إذا تم رفع الشعار من قبل الحركات الإسلامية التي تمارس دورا سياسيا.
ولكن في المقابل يمكن القول إن شعار إقامة الدولة الإسلامية، يمثل شعارا جماهيريا، له القدرة على حشد الجماهير وتعبئة حركتهم السياسية. ومحاولة منع الحركات الإسلامية من رفع هذا الشعار في عملها السياسي، تساعد على نزع بعض الأدوات النشطة للحركة الإسلامية، والتي تمكنها من حشد الجماهير. لذا فإن حصار مصطلحات الحركة الإسلامية ذات التأثير الشعبي، يضغط على الحركة حتى يفقد خطابها السياسي جزءا من قدرته على التعبئة والحشد.
كما أن هناك بعض الشعارات القادرة على توحيد صفوف الحركة الإسلامية، مثل شعار إقامة الدولة الإسلامية، فأغلب تلك الحركات تعلن أن هذا هدفها النهائي، ولكن حصار هذا الشعار واعتباره خروجا على الدولة القائمة، يمنع من التفاف الحركات الإسلامية تحت شعار موحد يجمعها رغم التباين بينها، ويظهر الحد المتفق عليه بينها، والذي يمثل الأسس المشتركة للرؤى الإسلامية المختلفة.
                        فكرة الحزبية
وبنفس هذا المعنى، نجد أن تعبير الحزب الإسلامي، أصبح يواجه أيضا بحرب واضحة، حيث تحاول بعض الأنظمة منع الأحزاب الدينية، وتعتبر أن الحزب الإسلامي حزبا دينيا، وبالتالي فهو حزب يعمل من أجل إقامة الدولة الدينية، أي الدولة التي تستند فيها السلطة على الحكم باسم الله. ولكن الحزب الإسلامي، ليس حزبا دينيا بهذا المعنى، ولا يستهدف بناء دولة يحكم فيها الحاكم باسم الله، ويعتبر نفسه مفوضا من الله في الحكم. وبهذا يرتبط تعبير الحزب الإسلامي، بسلسلة من التعبيرات التي يوضع لها تعريف سلبي، حتى يتحول تعبير الحزب الإسلامي إلى تعبير سلبي، فيتم اللجوء من قبل الحركة الإسلامية، إلى تعبير حزب مدني له مرجعية إسلامية.
وبعض التيارات الإسلامية ما زالت ترفض فكرة الأحزاب كمؤسسات سياسية لممارسة وتنظيم العمل السياسي. والموقف الرافض لتسمية الحزب الإسلامي أو الذي يضع عليه العديد من القيود يدفع تلك التيارات إلى الاستمرار في رفض فكرة الأحزاب السياسية، لأنه يضع شروطا على الحركة الإسلامية، تراها هذه التيارات مؤثرة على فكرتها. وكثرة الشروط التي توضع على الحركات الإسلامية، التي تقبل العمل من خلال الحزب السياسي، تشجع البعض على المزيد من التشدد في اتجاه رفض الأوضاع السياسية القائمة. ويصبح من يريد الاستمرار في موقفه الإصلاحي القائم على الإصلاح السلمي المتدرج، ملزما بوضع تعريفات دقيقة لكل مسمى يستخدمه، حتى لا يساء فهمه، وفي نفس الوقت يؤكد حرصه على التمسك بثوابته.
                        الاستغناء عن المسميات
ولكن بعض الأطراف الإسلامية، ترى أنه من الممكن الاستغناء عن المسميات التي تلقى رفضا من قبل الأنظمة الحاكمة والنخب العلمانية والدول الغربية، وتحاول تمرير المشروع الإسلامي أو بعضه على الأقل، من خلال المسميات التي تتوافق مع طبيعة الدولة القومية العلمانية القائمة. وتواجه تلك المحاولة بحصار المصطلح السياسي الغربي، الذي لا يسمح بتمرير العديد من المفاهيم الإسلامية، مما يدفع إلى تجزئة المشروع الإسلامي، وتبني ما يمكن ربطه بالعناوين المتاحة والمساحات المتاحة للحركة، وتأجيل كل ما يختلف مع النموذج السياسي القومي العلماني، وهو تأجيل قد يكون مؤقتا، أو قد يكون نهائيا.
وكأن الحركة الإسلامية أصبحت محاصرة من اتجاهات عدة، وهو حصار يدفع أحيانا كثيرة نحو المزيد من التشدد أو المزيد من المرونة، وتبقى المنطقة المتوسطة، والتي توازن نسبيا بين مختلف المواقف، هي المنطقة الأكثر حصارا، والتي تتعرض لتشويه أكبر، حيث يتم دفعها نحو مربع أكثر تشددا أو أكثر مرونة. لأن حرب المصطلحات التي تشنها الاتجاهات العلمانية المختلفة، تريد تصنيف الحركة الإسلامية إلى تيار متشدد يتهم بالتطرف، وتيار تحديثي يعتبر متجاوباً مع شروط الواقع السياسي العلماني، بحيث لا تبقى مساحة بينهما. مما يوضح أن هناك مساحة تثير قلق العديد من الجهات، وهي المساحة التي تتمسك بموقف معتدل، يوفق بين التمسك بثوابت المشروع الإسلامي، وبين المرونة في التعامل مع الواقع.
هي حرب على الشعارات والعناوين، تهدف إلى عرقلة تشكل الفكرة الإسلامية المتوازنة بصورة طبيعية، حتى لا تتشكل رؤية إسلامية، لها جاذبية جماهيرية مرتفعة، مما يمكن من يحملها من التوصل إلى الصيغة التي تشكل التيار السائد فيما بعد، خاصة أن الحركات الإسلامية لها شعبية بالفعل أكثر من أي تيارات أخرى، لذا يصبح وصولها إلى الخطاب القادر على حشد تيار سائد في المجتمعات العربية والإسلامية بمثابة اللحظة التي تمكنها من تأسيس نظام سياسي جديد، وهي اللحظة التي يحاول خصوم المشروع الإسلامي منعها.

6:06 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

"الدولة الدينية".. تشويه علماني للحركة الإسلامية



د. رفيق حبيب
   مصطلح الدولة الدينية تمت صياغته لإخافة الناس من الحركة الإسلامية، رغم أن التعبير باللغة العربية لا يعني سوى الدولة التي تستند لمرجعية الدين، في مقابل الدولة غير الدينية التي لا تستند لمرجعية الدين. ولكن تم إلحاق تعبير الدولة الدينية بمعنى الدولة الثيوقراطية، والتي تقوم على الحكم بالحق الإلهي المطلق، حيث يزعم الحاكم أنه يحكم نيابة عن الله، وأنه مفوض منه.
والدولة الدينية بهذا المعنى لا توجد أصلا في الإسلام، وهي نموذج غريب على الخبرة التاريخية الإسلامية. لذا أصبح مصطلح الدولة الدينية محملا بمعاني لا تحتملها اللغة، ولا ترتبط بالمشروع الإسلامي. ولكن تم صياغة هذا المصطلح لتكوين صورة سلبية يتم إلصاقها بالمشروع الإسلامي، حتى يحاصر بمعان سلبية، وتدخل الحركات الإسلامية في دائرة الدفاع عن مشروعها.
الحكم الإلهي
 وقصد أيضا من هذا المصطلح، اتهام الحركات الإسلامية بأن ممارستها السياسية سوف تماثل الدولة القائمة على الحكم بالحق الإلهي أو التفويض الإلهي، حتى يتكون لدى الناس أو بعضهم، أن تلك الدولة تمثل نوعا من الاستبداد باسم الدين. ويتم تصوير الحركات الإسلامية، على أنها تريد فرض الاستبداد باسم الدين. وهنا يلاحظ أن بعض الخطابات العلمانية المستترة، تحاول فصل الإسلام عن الحركة الإسلامية، حتى تستطيع إدانة الحركة الإسلامية، دون إدانة الدين نفسه. فيتصور بعض الناس أن الحركات الإسلامية، لن تطبق قواعد الدين، بل سوف تفرض رؤيتها على الناس، وتعتبر نفسها مفوضة من الله بالحكم.
وهنا يشاع تصور أن الحركة الإسلامية سوف تفرض حكمها على الناس، ولن تأتي باختيارهم، ولن تصل للسلطة بناء على تفويض شعبي، بل سوف تعتبر نفسها مفوضة من الله، فيحق لها الوصول إلى السلطة بأي طريقة، وفرض حكمها على الناس.
وفي المقابل نجد أن الأنظمة القائمة، وكل المشاريع العلمانية فرضت على الناس، ولم تكن باختيارهم. كما أن بعض النخب العلمانية تحاول حصر العمل السياسي في الاتجاهات العلمانية، ومنع التيار الإسلامي من العمل السياسي، حتى تصبح هي البديل المتاح أمام الناس. وكل التصرفات العلمانية، تلجأ إلى فرض واقع سياسي على المجتمعات بدعم غربي، أي إن معظم المشاريع العلمانية تلجأ إلى شكل من الوصاية على الناس، وفرض العلمانية بأدوات الاستبداد.
لذا فالمشروع العلماني الذي يطبق في مجتمع غير علماني، هو في الواقع يمثل الدولة المستبدة، حيث إنه يقوم على فرض وصاية نخب علمانية بدعم خارجي. ولكن مصطلح الدولة الدينية، يحاول إلصاق تهمة الاستبداد بكل الحركات الإسلامية.
تشويه الفكرة
وبقدر ما تنجح تلك الحملة في تصوير الحركة الإسلامية، بأنها حركات تريد الاستبداد باسم الدين، تفقد الحركة الإسلامية تأييد جزء من المؤمنين بفكرتها، فيصبح المؤيدون للحركة أقل من المؤيدين للفكرة. وتجبر الحركات الإسلامية التي تعمل في المجال السياسي، على شرح فكرتها للرد على تلك الشبهات. وهنا يظهر مصطلح الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، حيث يشرح هذا المصطلح طبيعة الدولة وأنها مدنية وليست دينية، وتقوم على المرجعية الإسلامية. فأصبح من الضروري تجنب القول إن الدولة الإسلامية دولة دينية، بعد أن تم تشويه تعبير الدولة الدينية، رغم أن هذا التشويه ليس من صميم التعبير نفسه.
ثم أصبح لزاما على العاملين في المجال السياسي الإسلامي، التأكيد على أنهم مع الدولة المدنية، وكأن الدولة المدنية هي شرط له توصيف محدد، وعليهم قبوله. رغم أن كل دولة هي دولة مدنية، عدا الدولة العسكرية، والتي تقوم على حكم الجيش. ولكن مصطلح الدولة المدنية، ولأنه فرض على الساحة في كتابات النخب العلمانية، وأصبح معيارا تواجه به الحركة الإسلامية، تحول بالنسبة للنخب العلمانية، إلى شرط تضعه وتعرفه وتحرسه، ثم تقيس موقف الحركة الإسلامية على تعريفها لهذا المصطلح، حتى ترى ما إذا كان من الممكن أن تعطي الحركة الإسلامية صك الاعتراف بفكرتها عن الدولة مدنية أم لا.
ولأن تعبير الدولة المدنية إيجابي، لذا يتم تسويقه بين الناس، وتحويله إلى أداة اتهام للحركة الإسلامية. والملاحظ أن تعريف الدولة المدنية غير واضح في كتابات النخب العلمانية، ولكن المدقق يكتشف أن هذه النخب تتكلم في الواقع عن الدولة العلمانية وليس عن الدولة المدنية. ومصطلح الدولة المدنية ليس مصطلحا متعارفاً عليه، ويمكن أن يكون التوصيف الأقرب له، أن الدولة المدنية هي التي تعبر عن المجتمع وتكون وكيلة له وتستند لقيمه، ويختار فيها المجتمع حكامه وممثليه ويعزلهم ويحاسبهم، وبهذا التعريف تصبح الدولة المدنية مطابقة لمعظم الاتجاهات السياسية الإسلامية.
ولكن مفهوم الدولة المدنية لدى النخب العلمانية يتوسع للعديد من المفاهيم الأخرى، والتي تلحق فكرة الدولة المدنية بالمرجعية العلمانية.
سجال " المدنية والدينية "
ولأن الكثير من السجال بين التيارات السياسية ليس مباشرا، بل يعتمد على المراوغة، لذا يتم تشكيل مصطلح الدولة الدينية وفي مقابله مصطلح الدولة المدنية، حتى يفتح باب الجدل المستمر بين النخب العلمانية والحركة الإسلامية، وهو جدل لا ينتهي لأن المصطلحات لا يحدد لها معنى واضح. ثم يتم إلحاق عدد من المصطلحات بمصطلح الدولة المدنية، مثل المساواة والمواطنة وحقوق الإنسان، وهي تعبيرات إيجابية، ويمكن أن يكون لها معان متعددة، ولكن يتم توصيف تلك المصطلحات بالمعنى السائد في السياسة الغربية، مما يسمح ضمنا بتمرير معان علمانية داخل هذه المصطلحات الإيجابية، مع البعد عن عنوان العلمانية.
والملاحظ أن الحركة السياسية الإسلامية، تؤكد من جانبها على أن فكرتها تشمل تلك المعاني الإيجابية، وتحاول التأكيد على معنى تلك المصطلحات مرتبط برؤيتها الإسلامية، وليس بالمعنى الشائع في الأدبيات الغربية، في محاولة للرد على الاتهامات المتكررة، والتي تهدف لتشويه صورتها. ولكن تلك المعركة كان لها أثر سلبي على التيار الإسلامي، لأنها أبعدت العديد من فصائل التيار الإسلامي عن العمل السياسي، والتي تريد ممارسة السياسة بخطاب يقوم على المصطلح الإسلامي التاريخي، ولا تريد قبول ما يفرض في الساحة السياسية من مصطلحات.
وفي ظل هذه الظروف أصبحت بعض التيارات الإسلامية ترى أن المجال السياسي يفرض عليها شروطا، وقد تؤدي تلك الشروط لتنازلات، فتظهر الاتجاهات التي ترفض العمل السياسي، وفي نفس الوقت تظهر الاتجاهات التي تحمل السلاح في وجه الدولة، وترفض أي ممارسة سياسية سلمية. وهو ما يزيد من شدة الاختلافات داخل الساحة الإسلامية، ويفرق بين الحركات الإسلامية، ويجعل مواقفها من العمل السياسي، كافية لمنع التنسيق والتعاون بينها.
 
وتكتمل تلك الصورة من خلال موقف بعض الأطراف الإسلامية، والتي تحاول التكيف مع الشروط المفروضة من قبل النظم العلمانية والنخب العلمانية، لأن هذه الشروط مدعومة ومحمية غربيا. وتبدأ سلسلة من محاولات التكيف المؤقت أو النهائي مع الشروط السياسية المستمدة من النموذج الغربي العلماني، مما يؤدي إلى تعددية في الخطاب الإسلامي، ليست نابعة من تعدديته الداخلية، ولكن نابعة من الحصار المفروض عليه، وحرب الشعارات والمقولات التي تشن عليه.
وهو ما ينتج عنه تغييب نسبي للملامح الأساسية للمشروع الإسلامي، وتغييب أيضا للغته الخاصة ومصطلحه الخاص، مما يؤثر على قدرته على حشد الجماهير، لأنه يفقد أحيانا قدرته على طرح شعارات خاصة به، تمكنه من توصيل فكرته إلى الناس من غير تشويه متعمد لفكرته وشعاره. فالمشكلة التي تواجه الحركة الإسلامية، ليست في معرفة الناس بحقيقة تلك الحركات، ولكن في الصورة المشوهة عنها التي تبثها آلة الدعاية العلمانية.

5:56 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

موقع السياسة في مشروع الحركة الإسلامية المعاصرة (2)

د. رفيق حبيب
   تدور الكثير من المعارك حول علاقة الدين بالدولة، وهي تمثل صلب المعركة مع المشروع الإسلامي والحركات الإسلامية. فبالنسبة لعلاقة الدين والدولة، أو الدين والسياسة، هناك الخيار العلماني والذي يقوم على فصل الدين عن النظام السياسي بالكامل، وبالتالي فصل الدين عن الدولة، وهناك الخيار الإسلامي الذي يربط بين الدين والسياسة، والدين والدولة. وجوهر هذا الخلاف يتعلق أساسا بمرجعية النظام السياسي.
 ففي العلمانية تكون المرجعية السياسية هي اختيار بَشَري، وفي الإسلامية تكون مرجعية النظام السياسي هي الدين. ولأن هذه المسألة تمثل فارقا مهما بين المشروع الإسلامي وخصومه، لذا نجد هذه القضية في صلب معارك المشروع الإسلامي.
الدين والسياسة
وتحدث المواجهة بين شعار "الإسلام دين ودولة"، والعديد من الشعارات المخاصمة له، مثل عدم خلط الدين بالسياسة، واستخدام الدين في السياسة، و"لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، وتديين السياسة وتسييس الدين، وكلها شعارات تحاول طرح صورة سلبية للعلاقة بين الدين والسياسة، حتى تحذر الناس من تأييد الحركات التي تحمل تصورا سياسيا دينيا، وتشيع بينهم الخوف من مثل تلك المشاريع، وتثير قلقهم من أي حركة تصل للسلطة وهي تحمل مشروعا سياسيا يقوم على المرجعية الدينية. 
ويلاحظ أن بعض تلك الشعارات المضادة للمشروع الإسلامي، لا تحدد معنى لما تقصده، بقدر ما تحاول سك شعار يتم نشره بين الناس، ويحمل الصورة السلبية المراد نشرها. ومع عدم وضوح المعنى المقصود، يفقد المتلقي قدرته على تقييم الواقع الراهن، والمشاريع المعروضة عليه.
فالقول بأهمية عدم خلط الدين بالسياسة، ليس له معنى محدد، ولكنه يوحي بأن هناك خطأً ما يحدث، عندما تختلط أمور مختلفة عن بعضها البعض.
وقد يكون المعنى المقصود هو الخلط بين قواعد الدين وقواعد السياسة، أي الخلط بين قواعد منفصلة عن بعضها، ولا علاقة بينها.
 ولكن المشروع الذي تحمله الحركات الإسلامية يختلف عن هذا، فهو يقوم على مرجعية القواعد الدينية في العمل السياسي، وبهذه لا يصبح هناك خلط بين قواعد مختلفة عن بعضها. ونفس الأمر يتكرر في تعبير استخدام الدين في السياسة، فهو يعني توظيف الدين لصالح السياسة، فتصبح السياسة هي التي تحدد الأهداف والغايات، والدين يستخدم لتحقيق غايات سياسية منفصلة عنه، وغير نابعة منه.
 ولكن الحركة الإسلامية تقدم تصورا مختلفا، فهي ترى أن الدين هو الذي يحدد غايات وأهداف السياسة، ويصبح العمل السياسي خاضعا لمعايير الدين، وبالتالي فالحركة الإسلامية لا تستخدم الدين، ولكن تلزم نفسها به، وتخضع عملها السياسي له.
والملاحظ أن أنظمة الحكم غير الإسلامية، هي التي تخلط بين الدين والسياسة، وتستخدم الدين في السياسة. فهذه الأنظمة تقوم على مرجعية علمانية، لذا فقيمها السياسية العليا غير مستمدة من الدين، ولكنها توظف الخطاب الديني لتبرير ما تفعل حتى تؤثر على الناس، وحتى تعطي شرعية دينية لبعض تصرفاتها.
 وشواهد الواقع تؤكد أن النظم العلمانية في المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكنها أن تتجاهل وجود الدين في حياة المجتمعات الإسلامية، لذا تحاول السيطرة على المجال الديني وإخضاعه للدولة، حتى يبقى المجال الديني مصادرا من قبل النظام العلماني، يوظفه متى شاء وينحيه متى أراد. وهنا تصبح القيم العليا غير دينية، أي قيماً دنيوية، وهي التي تسيطر على الدين، وتجعل الدين أداة، وتضعه في موضع تالٍ لهيمنة النظام السياسي والدولة.
ولكن نشر المقولات التي تحذر الناس من دور الدين في السياسة، لا تسمح لكل من يتلقاها بتفسيرها وتحليلها، حتى يعرف الغرض منها. فالهدف منها أن تكون شعارا أو مقولة تتناقل بين الناس، حتى تخيف جزءا منهم من المشروع الإسلامي، فتمنع وصول فكرة المشروع الإسلامي لبعض فئات المجتمع. ومن هنا يتشكل ما يسمى بالفئات المتخوفة من المشروع الإسلامي، ثم يطلب من الحركة الإسلامية طمأنة تلك الفئات، رغم أن جزءاً من تخوف هذه الفئات، هو بفعل فاعل، أي بفعل خصوم المشروع الإسلامي.
والناظر للمقولات الرافضة لدور الدين في السياسة، يجدها لا تعبر عن حقيقتها بوضوح، فحقيقة تلك الرؤى المناهضة للمشروع السياسي الديني، أنها ترفض أن يكون الدين مرجعية للعمل السياسي، وترفض أن تكون قيم ومبادئ وأحكام الدين، هي المرجعية العليا للدستور، وبالتالي ترفض الاحتكام للدين، وتحاول جعل السياسة متحررة من الدين، وتصبح السياسة عملا لا يتقيد بأي معيار ديني.
 ولكن تلك المعاني لا تصلح للترديد بين الناس، لأنها تعطي معنى سلبيا في مجتمع متدين، وتظهر قائلها بصورة المتحرر من أحكام الدين.
انكشاف العلمانية
 هنا تبرز قضية جوهرية، فالمشروع الإسلامي يقدم نفسه للناس بصورته، لأن لديه تصورا يؤمن به، ولديه قناعة أن الجماهير سوف تؤيده في النهاية، ولكن خصوم المشروع الإسلامي، لديهم تصورات سياسية مرفوضة شعبيا، لذا لا يمكن عرضها على الناس بصورتها الحقيقية. لذا نجد النخب العلمانية لا تسمي نفسها بالعلمانية، وأيضا الأحزاب والحكومات العلمانية، لأنها تعرف أن مصطلح العلمانية أصبح مصطلحا مكشوفا أمام الناس، ويرى الكثير منهم أن معناه سلبي.
 وإذا تحولت المعركة السياسية بين المشروع الإسلامي والمشروع العلماني، إلى معركة تستخدم المصطلح الواضح والمعنى الواضح، وقدمت النخب العلمانية مشروعها بوضوح، وانتقدت المشروع الإسلامي بدون تورية وخداع، فإن المعركة يمكن أن تحسم لصالح المشروع الإسلامي. لذا يتم استخدام الشعارات والمقولات التي تشوه المشروع الإسلامي وتظهره على غير حقيقته، كما يتم تغطية حقيقة المشاريع الأخرى المعادية له.
ومن خلال الضغط الإعلامي -المسيطر عليه من الاتجاهات العلمانية والحكومية- توضع الحركة الإسلامية في حالة دفاع عن الفكرة، حتى تستنزف في توضيح فكرتها، والرد على الشبهات التي تثار حولها. ولكن هذا الموقف لا يمثل كل النتيجة المحققة من خلال الهجوم على المشروع الإسلامي، لأن الهدف الآخر المراد تحقيقه، هو تسريب قدر من أفكار المشروعات الأخرى إلى المشروع الإسلامي، أي تسريب قدر من العلمانية للمشروع الإسلامي، بحيث يصبح الجانب السياسي منه علمانيا، يخضع لقواعد سياسية منفصلة عن المرجعية الدينية.
 ورغم صعوبة تلك المهمة، فإن الملاحظ أن محاولة تشويه دور الدين في السياسة، تدفع البعض لعرض رؤيتهم السياسية الإسلامية، باعتبارها تشابه وتماثل الرؤى الأخرى، وأنها في النهاية رؤية بشرية، وهذا صحيح ولكنها اجتهاد بشري يلتزم بالمرجعية الدينية، وليس اجتهادا بشريا خارجاً على المرجعية الدينية.
 وفي محاولة توضيح التماثل أو التقارب بين الرؤية السياسية الإسلامية والرؤى السياسية الأخرى، يتم إدخال بعض القواعد السياسية العلمانية، حتى تصبح شروطا على الممارسة السياسية الإسلامية. وأهم تلك الشروط المتداولة، هي أن يكون كل تصرف سياسي منسوبا إلى فرد أو حزب، ولا ينسب للدين، ولا لاجتهاد الفرد أو الحزب أو الجماعة الديني. وهي محاولة لمنع السياسي من القول بأن رأيه يمثل اجتهاده الإسلامي.
تلك المحاولات تضغط على الطرف الإسلامي حتى يقدم رأيه غير منسوب لمرجعيته، حتى تصبح تلك قاعدة للعمل السياسي، ومنها يتم تحقيق الهدف الأهم، وهو عزل الدين عن المجال السياسي. ويتم ذلك تدريجيا من خلال إخراج العنوان الإسلامي من المجال السياسي. لذا فقبول بعض الأطراف الإسلامية بمثل هذه الشروط، يؤدي إلى ظهور طبعات من المشروع السياسي الإسلامي، تستجيب لحملة إدانة العلاقة بين الدين والسياسة، وتضعف موقف المشروع الإسلامي، لأنها تضيف ضغطا جديدا، ومن الداخل الإسلامي، على الحركات الإسلامية المتمسكة بالعنوان الإسلامي لتصرفاتها السياسية.

5:52 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

المشروع الإسلامي..حصار الغايات وضرب الشعارات(1)

د. رفيق حبيب
تحت عنوان المشروع الإسلامي، تقف رؤية ترى أن نهضة الأمة الإسلامية لن تتحقق إلا من خلال المرجعية الإسلامية، والتي تمثل الهوية الحضارية والدينية للأمة. وتلك الرؤية تتوافق مع قواعد التاريخ الحضاري، والتي تكشف أن كل الشعوب والأمم نهضت من خلال خصوصيتها الحضارية، وليس من خلال تقليد الحضارات المغايرة لها.
 لكن النهوض الإسلامي بهذا المعنى، يمثل مشروعا لتقديم نموذج حضاري آخر، منافس ومغاير للنموذج الحضاري الغربي المهيمن. وفي كل مراحل التاريخ، تكون لحظة محاولة صعود أمة أو شعب لتحقيق نهضة حضارية، في ظل سيادة حضارة مغايرة، هي لحظة مفصلية، تحدث تغييرات واسعة في التاريخ الإنساني، وليست مجرد لحظة تحولات سياسية.
والدول الغربية من ناحيتها تحاول نشر نموذجها الحضاري وضمان هيمنته على العالم، على أساس أن هذا يحمي موضعها وموقعها، ويضمن لها قيادة العالم. والدول القائمة في البلاد العربية والإسلامية في أغلبها تنتمي للنموذج الحضاري الغربي، لذا فهي دول تابعة. وكل تفكير في النهوض الحضاري المستقل، يعني نهاية التبعية الحضارية للغرب، ومعها كل أشكال التبعية. كما ينهي عهد النخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب، ويهدد الاحتلال الإسرائيلي بوصفه كيانا يقوم بحماية المصالح الغربية في المنطقة من خلال ردع الدول العربية والإسلامية.
وشعوب الأمة تعيش مرحلة التراجع الحضاري، لذا فهي لم تصل بعد لمرحلة الإيمان الكامل بقدرتها على النهوض، ورغم أن هويتها لا تغيب عنها، إلا إن إرادة التغيير والنهوض لم تتحقق بعد لدى أغلبية الأمة الإسلامية، بالصورة التي تجعلها تتحرك حركة جماعية منظمة نحو إحداث النهوض. ومع حالة التراجع الحضاري تفقد الأمة الكثير من ثقتها في نفسها، وتفقد القدرة على تحدي الصعاب، وأيضا تفقد القدرة على معرفة الطريق للنهضة.
                                رؤى وأسس
وهنا يمكن وصف المشروع الحضاري الإسلامي، بأنه الرؤى التي تحمل مشروعا للإصلاح والنهوض الحضاري الشامل، والقائم على مرجعية الحضارة الإسلامية. وهذا المشروع موجه أساسا للأمة الإسلامية، حتى تتبناه وتبني من خلاله نهضتها.
 فالمخاطب بفعل النهوض هو الأمة، التي عليها أن تفرض مشروعها على الحاكم، أو تعمل على تغييره حتى يأتي من يحمل مشروعها. ولكن حتى تتحرك الأمة لتبني نهضتها، عليها أولا أن تعرف طريقها وتدرك مشروعها، وتعرف الأسس التي تقوم عليها حضارتها، وتحدد القيم المركزية والغايات النهائية والأسس المنهجية الرئيسة، التي تقوم عليها المرجعية الإسلامية.
وإذا كان وعي الأمة بأسس المشروع الإسلامي ضرورة حتى تحمل هذا المشروع، فإن تغيب وعي الأمة بتلك الأسس وتشويه وعيها بها، وفقدان الإجماع حول تلك الأسس، يمثل الحل المثالي لخصوم المشروع الإسلامي، حتى تتم عرقلة المشروع وتشويه فكرته، وضمان عدم قدرة الأمة على التوافق حول أسس مشروعها الحضاري.
وهو ما يفسر المواجهة المستمرة مع المشروع الإسلامي في بعض القضايا الأساسية، من قبل خصومه. فإذا كان حامل المشروع يعرف خصائصه، فخصمه أيضا يعرف تلك الخصائص، ويعرف نقاط قوة المشروع الإسلامي، ويهاجم تلك النقاط، ويحاول إظهار عدم مناسبتها، أو عدم إمكانية تحقيقها.
وفي كل مشروع تتشكل عدة أسس تمثل المقومات الأساسية له، وهي نفس الأسس التي تشكل قدرة المشروع على جذب الناس من حوله. لذا تصبح تلك النقاط هي العناوين الأساسية والشعارات المركزية، وكلما تم تشويه تلك النقاط أو إثارة اللغط حولها، فقد من يحمل المشروع القدرة على الترويج لشعاراته.
 فأي مشروع يمثل منظومة من القيم والمبادئ والأفكار، وتكون له عناوينه الأساسية وشعاراته الجاذبة، فإذا منع حامل المشروع من رفع تلك العناوين والشعارات، فقد قدرته على جذب الجماهير له. وإذا تم تشويه بعض الأفكار المركزية، وبث عناوين وشعارات مضادة، يمكن التشويش حول المشروع.
وتلك العملية لا تحدث من الخصوم فقط، فالاتجاهات المختلفة داخل المشروع الإسلامي، وعندما تحاول الانتصار لفكرتها، تثير بعض الغموض والالتباس حول بعض الشعارات والعناوين، مما يؤثر سلبا على جماهير المشروع. ولأن كل تيار أو اتجاه يحاول حسم معاركه أحيانا مع التيارات الأخرى، لذا يتم تشويه الكثير من المعاني والمصطلحات في تلك المعارك، رغم أن المصطلح الواضح والمعنى المحدد، هو وسيلة أصحاب المشروع لنشره بين الناس.
والناس تعرف المشروع من أسسه فقط، فليس كل فرد يهتم بدراسة كل مشروع، ولكن نشر القيم المركزية للمشروع، ثم حشد التأييد الشعبي لها، وتشكل وعي عام بأهمية تلك القيم المركزية، أو الغايات المركزية، هو الذي يشكل ملامح التيار، ويحشد الناس، ويحدد لهم وجهة واحدة، ومن ثم تصبح حركتهم في اتجاه واحد، فيبدأ نشر المشروع وتحقيقه بقدر ما يحوز على تأييد الأغلبية. وهو ما يجعل عملية حصار شعارات المشروع، من أهم الوسائل لضرب قدرته على جذب الجماهير، لأنه بهذا يفقد قدرته على الحشد، بعد أن يضطر إلى ترك بعض شعاراته، أو بعد أن يحاط بعضها بالغموض أو الالتباس أو التشويه.
                                   معركة الأفكار 
وتعد معركة ضرب الشعارات الإسلامية، أو حصار غايات المشروع الإسلامي، من أهم المعارك التي يتعرض لها المشروع الإسلامي، وتعرقل من قدرته على طرح نفسه بوصفه البديل الذي قد يحوز على الأغلبية. كما أن معركة ضرب الشعارات، تعرقل قدرة الحركات التي تحمل المشروع الإسلامي على توضيح فكرتها بين الناس، فإذا غابت فكرتها نسبيا أو تشوهت، لم تستطع تلك الحركات حشد تأييد الأغلبية لمشروعها، وبالتالي تتم عرقلة تنفيذ المشروع على الأرض.
والحرب على شعارات المشروع الإسلامي وغاياته، لا تقف عند محاولة تشويه الفكرة، ولكن تتجاوز ذلك لمحاولة اختراق الفكرة وتغييرها من داخلها، من خلال فرض شروط وأفكار من خارجها، بحيث يعاد صياغة الفكرة والمشروع الإسلامي، بصورة أقل وضوحا أو أقل تحديدا أو أقل استكمالا أو أقل جاذبية، مما يجعل المشروع يفقد أرضا يمكن أن يتوسع فيها.
 ومعركة الأفكار عموما، تستمر وتتواصل، فهي ليست معارك حاسمة، ولكنها أيضا معارك مؤثرة. فهي معركة تحاول منع الفكرة من المنبع، بمنع وصول الفكرة إلى الناس، حتى إذا اجتمع الناس حول المشروع تكون ثقتهم في الفكرة ضعيفة. وأيضا حتى يختلف الذين يحملون المشروع مع بعضهم، وبهذا يتم تصدير جزء من المواجهة والخصومة إلى داخل المشروع الإسلامي، وهو ما يساهم في إضعاف كل الأطراف، لصالح خصوم المشروع الإسلامي.
ولا تقف المشكلة عند هذا الحد، فالجدل إذا وصل لصلب المشروع الإسلامي، يؤدي إلى ردود فعل مختلفة، ومنها ردود الفعل المتشددة، وتلك المرنة. وردود الفعل المتشددة تحاول حماية الفكرة والمشروع من أي دخيل عليها، حتى وإن عرقل ذلك إمكانية تجديد الفكرة. والردود المرنة، تحاول تأكيد مرونة الفكرة، حتى وإذا فقدت بعض خصائصها ولو مؤقتا، مما يجعل المطروح حول المشروع الإسلامي يتباين لحد يفتح باب الخلاف الداخلي، ويتحول بعض الخلاف إلى تنافس أو مواجهة أو صراع.
وليست المشكلة في علاقة الحركات الإسلامية ببعض، ولكن المشكلة في أن الكثير من الخلاف، يؤدي إلى اختلاف حول أسس المشروع، فيفقد المشروع عناوينه الأساسية المتفق عليها، والتي يمكن أن تشكل تيارا سائدا.
وهنا نصل إلى النقطة المركزية في عرقلة المشروع الإسلامي، فهي تتحقق عندما يتعرقل بناء التيار السائد الذي يحمل هذا المشروع ويحققه على أرض الواقع، وبقدر ما يحدث من خلاف واختلاف، بقدر ما تصاب الفكرة ببعض الغموض أو الالتباس، مما يجعلها تحمل العديد من المعاني المختلفة، فيصبح الاتفاق حولها أضعف، ويتم عرقلة تشكل التيار السائد الذي يحمل المشروع ويحققه.

5:46 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

تنازلات سلطة عباس .. أين الخطوط الحمراء؟

حقيقة لم تكن مفاجأة من النوع الثقيل أو حتى الخفيف تلك الوثائق التي نشرتها فضائية الجزيرة والخاصة بمفاوضات السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي, وذلك لمن تتبع مسار القضية منذ بدء المفاوضات وحتى اللحظة الراهنة, خاصة بعدما تولى الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس (أبو مازن) السلطة خلفاً للراحل ياسر عرفات. فالرجل وحاشيته السياسية ما ظهر منهما في العلن كافياً بذاته لمعرفة توجهاتهم ورؤيتهم للقضية الفلسطينية, فهم يجرمون مقاومة الاحتلال, ويعدونه نوعاً من العبث بالقضية, ويلاحقون قادة المقاومة في الضفة بتنسيق معلن مع قوات الاحتلال, ولا يرون أفقاً للحل سوى طاولة المفاوضات وفقط. وتآمرهم على غزة أبان العدوان الإسرائيلي في ديسمبر 2008, وموقفهم المناوئ لتقرير جولدستون, وإجهاضهم إدانة هذا العدوان في المحافل الدولية بصورة معلنة يعطي دلالة على المدى الذي يمكن أن تصل إليها سلطة رام الله ورجالاتها.
ما الجديد في هذه الوثائق؟!
الجديد في وثائق الجزيرة أن الخطوط التي كان يتوقعها رجل الشارع العربي فيما يخص القضية الفلسطينية حمراء, تأكد له بالأدلة أنها ليست كذلك لدى السلطة الفلسطينية, التي لم يعد لديها خطوط حمراء أو حتى سوداء .. فما كان محرماً في عهد الرئيس عرفات, خاصة فيما يخص قضايا الوضع النهائي بات مباحاً, بل مندوباً في عهد عباس وعريقات وقريع. فتلك الوثائق التي نحن بصددها تكشف أن السلطة الفلسطينية تنازلت عن المطالبة بإزالة كل المستوطنات في القدس الشرقية باستثناء مستوطنة جبل أبوغنيم, وأظهرت محاضر جلسات المحادثات أن مفاوضي السلطة قبلوا بأن تضم إسرائيل كل المستوطنات في القدس الشرقية باستثناء المستوطنة المشار إليها, ووصل الأمر إلى تصريح أحمد قريع للإسرائيليين بأن هناك "مصلحة مشتركة في الإبقاء على بعض المستوطنات".
وإذا كانت المصلحة الإسرائيلية واضحة في بناء وبقاء مثل هذه المستوطنات, فأي مصلحة للفلسطينيين في بقاء المستوطنات, اللهم إلا التعويل عليها وسوقها كمبرر لوجود قوات الأمن الإسرائيلي, ومواصلة إجهاض قادة المقاومة بالتنسيق مع هذه القوات, والارتكاز على هذه القوات لحفظ أمن السلطة ذاتها. وهذا التنازل في مضمونة نراه تنازلاً عن دولة فلسطينية متحدة جغرافياً؛ حيث الوجود الإسرائيلي يقطع أوصال تلك الدولة حتى قبل أن تنشأ واقعاً على الأرض. وبخصوص القدس, كشفت الوثائق المنشورة, أن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات قد اقترح حلاً وصفه بأنه غير مسبوق لتقسيم القدس ومقدساتها, وأبدى رغبته في التخلي عن الحرم الشريف، وإخضاعه للجنة دولية, كما عرض تنازلات غير مسبوقة عن حييْ الأرمن والشيخ جراح. وفي وثيقة أخرى، شدد عريقات على أنه على استعداد أن يمنح إسرائيل أكبر يوراشاليم في التاريخ اليهودي.
 إذن لا قدس موحد كعاصمة للدولة, فبعد التخلي حقيقة عن مضمون الدولة, كما ذهب قريع, جاء دور عريقات لتقديم تنازلات غير مسبوقة فيما يخص المقدسات, ووضعها تحت إشراف لجنة دولية للإدارة, مع بقاء السيادة عليها للسلطات الإسرائيلية, وهو ما يعني اعترافاً بهذه السيادة وتنازلاً مطلقاً عن القدس. وعن ملف اللاجئين وشكل الدولة الفلسطينية، عرض عريقات عودة عدد رمزي من اللاجئين ودولة فلسطينية منزوعة السلاح. وهذه آخر القضايا المصيرية التي تخص القضية الفلسطينية, وهي قضية اللاجئين؛ حيث حولها ساسة عباس إلى مجرد قضية رمزية, يمكن الانتهاء منها بصورة نهائية بالسماح لبضعة آلاف أو مئات من المشردين الفلسطينيين في الخرج بالعودة, ليس إلى ديارهم, ولكن إلى تلك المقاطعات الجغرافية التي يمكن السماح للسلطة بإدارتها. وعلى النقيض من هذه التنازلات المجانية والرخاوة التفاوضية من قبل السلطة الفلسطينية, اتسم الموقف الإسرائيلي بصلابة وحرصه على انتزاع أكبر كم من التنازلات المجانية في ظل مزاد مفتوح من قبل ثنائي السلطة عريقات - قريع, وبموافقة صريحة من رئيس السلطة محمود عباس. فالموقف الإسرائيلي بشأن القدس لم يتقدم ولو خطوة واحدة أثناء المفاوضات؛ حيث رفض الإسرائيليون مناقشة ملف القدس, وبحسب عريقات نفسه, كما تقول الوثائق, فإنه في مقابل العروض الفلسطينية، رفض الإسرائيليون مناقشة القدس التي تصر إسرائيل على أنها خارج دائرة التفاوض.
 وتؤكد ذلك وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني في لقاء في 15 من يونيو 2008 مع قريع ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، قائلة "أخبرنا الفلسطينيين أننا لن نعوضهم عن أي أرض هي جزء من إسرائيل"، قاصدة بذلك القدس الشرقية التي كانت تل أبيب قد أعلنت ضمها للسيادة الإسرائيلية. وفي اجتماعات أخرى كانت ليفني تصر على أن القدس "هي العاصمة الموحدة وغير المقسمة لإسرائيل والشعب اليهودي منذ 3007 سنوات". يمكننا على ضوء هذه الوثائق وما نشر منها حتى الآن أن نخلص بمشهد مضمونة تنازلاً فلسطينياً عن القضايا المصيرية والمتعلقة بالوضع النهائي وهي ثلاث قضايا: الأولى: ملف الدولة الفلسطينية, والرضا بمجرد مقاطعات جغرافية منعزلة يطلق عليه عرفاً اسم دولة, وتكون منزوعة السلاح, وتضم مستوطنات يهودية خاضعة للإشراف والإدارة الإسرائيلية. الثانية: ملف القدس, حيث التنازل عن السيادة الفلسطينية والموافقة الضمنية بالسيادة الإسرائيلية, ومن ثم لا يمكن عملياً أن تكون القدس عاصمة لتلك الدولة المنتظرة, بل ستخضع المنطقة المقدسة في إدارتها للجنة دولية. الثالثة: ملف اللاجئين؛ حيث طمرت قضيتهم وباتت فقط رمزية, يمكن الانتهاء منها بعودة مئات أو بضعة آلاف للمقاطعات الفلسطينية.
 أين القضية الفلسطينية؟
حقيقية لم تعد هناك قضية ولا قضايا مصيرية, عند رجال عباس, وهذا أكبر جرم ارتكبته هذه السلطة في حق الفلسطينيين, فبدلاً من التفاوض بخطوط واضحة, وسقف محدد, أصيبت القضية المصيرية بحالة من السيولة المفرطة, ولم يعد هناك ثابت إلا الإبقاء على السلطة ورجالاتها, وما عدا ذلك فهو قابل للتفاوض الذي هو مرادف للتنازل في المفهوم السياسي لرجال السلطة الفلسطينية. والجرم الثاني الذي ارتكبته هذه السلطة أنها زادت من الأطماع اليهودية, لعلمها المسبق بأن رجال هذه السلطة ليس لديهم خطوط حمراء, وأن ما يرفضونه علناً وراء الميكرفونات وأمام الصحافة ووسائل الإعلام, يقدمونه كورقة للتفاوض, ويزايدون فيما بينهم على تقديم المزيد من التنازلات بدعوى الواقعية السياسية. ولعل ذلك هو السبب الرئيس في رفض سلطة الاحتلال لكل ما يقدم لها من مقترحات من قبل رجال سلطة عباس, لتأكدها أن لديهم القدرة على المزيد من التنازل, وأن سقفهم بقاءهم في مناصبهم والحصول على الامتيازات وكروت VIP وفقط. والجرم الثالث لهذه السلطة، أنها أضاعت على الأجيال القادمة فرصة التفاوض من أرض صلبة؛ حيث بات عليهم أولاً أن يتغلبوا على الوقائع التي يسعى الاحتلال وبرضا السلطة على تثبيتها, ثم يعيدوا قضية الثوابت إلى الأذهان, وبعدها ينطلقوا للدفاع عنها, وسواء في ذلك قضية مقاومة الاحتلال الذي جرمته سلطة عباس, أو القضايا المصيرية الأخرى كحدود الدولة والقدس واللاجئين. إن تلك الجرائم والموبقات السياسية التي ترتكبها سلطة رام الله قد تفرض على المقاومة أن تعيد ترتيب أولوياتها على ضوء المخاطر المحدقة بالقضية ومستقبلها في ضوء وجود واستمرار هذه السلطة وممارساتها الهزلية.

12:14 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

بن أرشيد: لا يوجد لدينا ما نخسره في ظل المقاطعة‏

ذهب القيادي في حركة الإخوان المسلمين في الأردن زكي بن أرشيد إلى أن قرار الجماعة بمقاطعة الانتخابات النيابية قبل أيام؛ إنما جاء استجابة لتوجه القاعدة الذي أظهر ميلا واضحا نحو المقاطعة، مؤكدا أن قرار المقاطعة الحالي مختلف عن نظيره عام 2007.
وأكد بن أرشيد  في حواره مع موقع "إسلاميون" التابع لبوابة "إسلام أون لاين. نت" أن جزءا كبيرا من أهداف قرار المقاطعة تحقق بمجرد صدوره، موضحا أن الحركة حين اتخذت القرار لم تهدف "استجداء الحكومة، وبالتالي العودة إلى مجلس النواب من النافذة بعد أن كان الباب مفتوحا".
ونفى بن أرشيد أن تكون الأزمة الداخلية في الحركة وراء قرار المقاطعة؛ لأن "الحركة استطاعت تجاوز أزمتها الداخلية قبل المقاطعة"، معتبرا أن الحكومة تعيش بين أزمتين في مرحلة ما بعد مقاطعة الإخوان، فهي إما أن تختار أزمة الاستفراد والاستعلاء والاستبداد، أو أن تعاني من أزمة فشل العملية الانتخابية.
** قرار الحركة الإسلامية بمقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة كان مفاجئا لكثير من القطاعات، بل هناك من ذهب إلى أنه كان مفاجئا للحركة الإسلامية ذاتها، ما الذي جرى في جلسة شورى الجماعة ليلة الجمعة الماضية؟
*أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لقواعد الحركة الإسلامية التي هي من صنعت هذا القرار، فتوجه أبناء الحركة هو الذي فرض القرار على القيادة، وأصبح متعذرا  الحديث عن تبنّي أي قرار آخر مصادم لتوجه الرأي العام، ذلك أنه في الحالات الديمقراطية لا بد من احترام رأي القواعد والشعب.
**معنى كلامك أن الاستفتاء الذي جرى بين القواعد الإخوانية قبل شهر وأظهر تبني أكثر من 80% من عناصر الحركة لخيار المقاطعة هو الذي دفع أغلبية أعضاء مجلس الشورى لتبني قرار المقاطعة؟
*لا شك أن هذا هو أحد العوامل الحاضرة والقوية، لكنه ليس السبب الوحيد، كانت هناك قراءات سياسية سبقت تلك الجلسة، هناك من اقتنع بفشل التجارب السابقة..هدف أي عملية انتخابية هو التغيير أو على الأقل التأثير في القرار، وتجربة الحركة الإسلامية في المجالس النيابية أوصلتنا إلى أن هذه المشاركة لم تخدم إلا النظام والحكومة، ونحن لا نرغب في منح الحكومة هدية مجانية هي بأمس الحاجة لها.
نحن لا نثق بالحكومة ولا بنزاهة الانتخابات المقبلة، والانتخابات السابقة التي جرت عام 2007 كانت أسوأ انتخابات في تاريخ الأردن، والحكومة لم تقدم ضمانات كافية حول نزاهة الانتخابات، هذا إلى جانب قانون الانتخابات الجديد السيئ الذكر الذي جاء ليفتت المفتت.
لماذا تحتاج الإخوان؟
**أنتم تمثلون جزءا مهما في المجتمع ولكنه محدود، لماذا تحتاج الحكومة إلى مشاركتكم؟
*الحكومة تعاني من عزلة ومن فقدان ثقة من قبل المواطنين، الوضع في الأردن يعاني من عدة أزمات،  أزمة اقتصادية من قبيل ارتفاع الأسعار وتراكم الضرائب وتعددها، وأزمة مع قطاع المعلمين وعمال المياومة والقضاء والإعلام، واجتماعيا هناك انفلات اجتماعي وتصارع بين هُويات جزئية وإقليمية.
أمام هذه الأزمات كانت الحكومة بحاجة إلى شكل من أشكال الحراك السياسي والاجتماعي للهروب منها؛ فكان أن قررت إجراء الانتخابات النيابية، ولكنها أخطأت عندما لم تستشر ولم تحاور قوى المجتمع، الحكومة استعلت على قوى المجتمع الأردني والتيارات السياسية، رئيس الوزراء لم يلتق مع أي أمين عام لأي حزب من الأحزاب الأردنية، قانون الانتخاب (الصوت الواحد) الذي هو موضع نقد من معظم المواطنين، أكاد أقول إن هناك إجماعا وطنيا على رفضه، أعدت قانون الانتخاب في غرف مقفلة أو مظلمة، أو حتى تم استيراده من جهات أخرى مثل السفارة الأمريكية.
** لكن للجماعة تجربة سابقة في مقاطعة الانتخابات عام 1997 وجميعكم يتحدث عن فشلها؛ نظرا لعجزكم عن تطبيق برنامج المقاطعة الذي وعدتم به، لماذا تكررون هذا التجربة؟
*أنا أفرق بين القرار الفاشل والتجربة الفاشلة، القرار الذي اتخذ عام 1997 كان صحيحا، ولكن تطبيقه كان تجربة فاشلة.
مقاطعة الحركة لانتخابات عام 1997 تختلف عن قرار المقاطعة الحالي؛ ذلك أن القرار السابق صنعه قيادات الإخوان، فهم من قاد حملة داخلية وتنظيمية وإعلامية أثرت في نسبة من قواعد الحركة، أما هذا القرار لم يسبقه تحشيد أو تحريض أو توجيه من القيادة على الإطلاق، كل ما جرى أن القيادة استفتت الهيئة العامة، وكانت النتيجة أن النسبة العظمى من قواعد الحركة الإسلامية صوتت للمقاطعة.
هذا التصويت لم يكن ليعبر عن توجهات الحركة الإسلامية، وإنما عبر عن توجه غالبية شرائح المجتمع الأردني، فالمواطن الأردني ليس معنيا بمهزلة اسمها الانتخابات، المواطن لا يثق الآن بكل الإجراءات التي تصدر عن الحكومة على الرغم من حملة مكثفة قادتها بكل ما تملك لإقناع الناس بالتسجيل وتثبيت مقار الإقامة على بطاقات الأحوال المدنية، حصاد الحملة كان ضعيفا جدا، ولم يزد مَن ثبت مقره الانتخابي عن 25%، هذا على افتراض أن كل من سجل كان مقتنعا بالانتخابات.
** في انتخابات 97 كان هناك برنامج وفشلتم، كيف الحال الآن وأنتم بلا برنامج من البداية؟
*هذه المرة لا يوجد برنامج وإنما إرادة مقاطعة، وآمل أن يتم تشكيل جبهة وطنية واسعة لإعادة تشكيل برنامج وطني، من الخطأ أن تستفرد الحركة الإسلامية بصناعة البرنامج لتفرضه على القوى الوطنية الأخرى، ربما من الأنسب أن يتم تشكيل جبهة وطنية للتوافق على برنامج لمقاطعة الانتخابات والتوافق على رؤى وطنية للإصلاح.
**ما الذي اختلف بين عامي 1997 و 2010 على صعيد الحركة الإسلامية لتنفيذ برنامج المقاطعة الذي أشرت إليه؟
*أنا سأقول حتى لو لم تستطع الحركة الإسلامية أن تحقق أيًّا من أهداف المقاطعة لاحقا، فإن جزءا كبيرا منها تحقق بمجرد صدور قرار المقاطعة، حقق هدفا على المستوى التنظيمي الداخلي، إذ إن الثقة بالتنظيم عادت إلى صفوف أبنائه، وهذا مكسب مهم.
كما أن القرار استجاب لنداءات وقطاعات واسعة في المجتمع الأردني، وخصوصا القطاعات المسحوقة، لم نخذل هؤلاء واستجبنا لصرخاتهم ومظالمهم، هذا القرار حقق كسبا آخر على المستوى الجماهيري ونحن بحاجة إليه.
قرار المقاطعة أكد أن الحركة مستقلة في قراراتها، لقد راهنت الحكومة على أن الإخوان سيقررون المشاركة، وكانت ترسل رسائل في كل الاتجاهات، لكنها فشلت وأثبتت الحركة الإسلامية أن قرارها مستقل وذاتي.
المقاطعة والأزمة الداخلية
**إذن القول بأن قرار المقاطعة تعبير عن أزمة داخلية صحيح؟
*الأزمة الداخلية في الحركة تم التعافي منها قبل المقاطعة، ومما يحسب للحركة الإسلامية أنها استطاعت تجاوز أزمتها الداخلية بصيغة متماسكة، لو حصل جزء بسيط مما حصل في الحركة الإسلامية في أحزاب أخرى لرأينا انشقاقات واستقالات وانقسامات، لكن الإخوان استطاعوا إدارة خلافهم بطريقة خرج الجميع فيها متماسكا، قبل قرار المقاطعة كان التوافق قد ساد وكنا قد خرجنا من تلك الأزمة، ولا يوجد هناك أي رابط بين قرار المقاطعة والأزمة الداخلية.
**مع ذلك قيل إن الحركة الإسلامية أبقت الباب مواربا أمام الحكومة لعقد صفقة ما، هل هذا صحيح؟ ثم ما هو شكل الصفقة التي ترغبون فيها؟
*أولا- الحركة الإسلامية لو أرادت أن تتعامل مع الانتخابات بأنانية لاختارت المشاركة؛ لأن الحركة تستطيع في هذه الانتخابات تحقيق مقاعد في مجلس النواب أكثر من التجارب السابقة، لكن الحركة الإسلامية كعادتها أرادت أن تقدم مصالح الحركة الوطنية على مصالحها الذاتية.
ثانيا- الحركة الإسلامية ظلمت في المرحلة السابقة ظلما كبيرا، وآثار العدوان ماثلة قائمة حتى هذه اللحظة، ومع ذلك لم يعد هذا البعد حاضرا أثناء عملية تبني قرار المقاطعة.
 ما أود أن أقوله إن الحركة لم تشترط لنفسها أية شروط، كل مطالبها واشتراطاتها متعلقة بالمواطن وبشروط الانتخاب، وعليه فنحن نفضل أن يكون الحوار حوارا وطنيا، لكن إذا أرادت الحكومة أن تبدأ معنا فلا مانع لدينا، ولكننا لن نخذل المجتمع والقوى الحزبية جميعها؛ لذلك لا نطالب الحكومة بالمطالب الخاصة؛ وإنما بمطالب الوطن.
**إذا قدرت الحكومة أن هذه المطالب ستتدحرج حتى تصل إلى أزمة بالنسبة إليها فإنها لن تقبل بالحوار الذي تتحدث عنه؟
*الحكومة مخيرة للعيش بين أزمتين: أزمة الاستفراد والاستعلاء والاستبداد، وأزمة فشل العملية الانتخابية، ما معنى أن تجري الانتخابات وأن تكون نسبة الإقبال عليها متدنية جدا؟ هذه ليست انتخابات، هناك شرعية شعبية إذا لم تتوافر في أي عملية انتخابية لا قيمة لها.
الحوار يحتاج إلى حكومات قوية واثقة بنفسها لا تخشى المواطن، سيسجل لأي حكومة إذا تقدمت بخطوات نحو شعبها، وسيسجل على أي حكومة استمرار إدارة الظهر، والاستماع إلى الأصوات القادمة من خلف الحدود.
أدعو الحكومة للتوقف عن كل الإجراءات المتعلقة بالانتخابات النيابية والشروع مباشرة في حوار صريح وجريء مع الحركة الإسلامية، وإعادة النظر بكل المنظومة الانتخابية، ابتداء من القانون، ومرورا بالإجراءات والهيئات المشرفة وسجلات الناخبين، وصولا إلى انتخابات نظيفة تمسح من الذاكرة صورة التزوير الشنيع الذي حصل في الانتخابات السابقة عام 2007.
** في ظل استفراد الحكومة بالطريقة التي تتحدث عنها سيكون من الطبيعي أن تمتنع عن أي مبادرة نحو الحركة الإسلامية، وبالتالي سيصبح قرار المقاطعة قطعيا بالنسبة لكم؟
*نحن لم نتخذ قرار المقاطعة من أجل استجداء الحكومة، ومن ثَم العودة إلى مجلس النواب من النافذة بعد أن كان الباب مفتوحا، كان قرارنا واضحا، لتستمر الحكومة في إجراءاتها، وتستمر القوى الوطنية في معارضاتها، والخاسر هو الوطن، لا بد أن يكون هناك مرجع آخر مسؤول عن الوطن والحكومة، ونحن ننتظر من صانع القرار أن يتخذ قراره، الأردن ليس حلبة مصارعات أو اتجاها معاكسا.
 **المنطقة مقبلة على قرارات مهمة فيما يتعلق بتسوية القضية الفلسطينية، والأردنيون سيكونون أول المتأثرين إلى جانب الفلسطينيين، هل من الحكمة أن تغيب الحركة الإسلامية عن هذه المرحلة؟ حتى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل تمنى على الحركة الإسلامية أن تشارك في الانتخابات في ظل الحراك السياسي المقبل؟
*دعنا نجزئ المسألة، هل من الحكمة أن تكون الحركة ضعيفة وغير مؤثرة في مجلس النواب، وأن يتم تمرير كل المشاريع المشبوهة مع وجودها باعتبار أنها جزء من المشهد السياسي، تماما كما حصل عام 1994 لما مررت اتفاقية وادي عربة بين الأردن والإسرائيليين، صحيح أنهم عارضوا وصحيح أنهم سجلوا مواقف ورفضوا، لكن المواطن لم يغفرها للحركة الإسلامية، لو غابت أو انسحبت أو استقالت من مجلس النواب لكان أفضل.
الحضور له سيئات وسلبيات، والغياب لا شك أن له ثمنا، لكنه في تقديرنا أن الغياب عن المشهد السياسي في مثل هذه المراحل يكشف الغطاء الشعبي والشرعي عن مؤسسة تشترك في مثل هذه المؤامرات.
أما في الشق الثاني: فلاشك أننا حركة إسلامية مستقلة إداريا وتنظيميا، وربما يكون تمني الأستاذ مشعل نوعا من تقديم النصح، هذا من شؤون الحركة الإسلامية، هذا القرار أظهر أن الحركة مستقلة عن الجميع.
 **ألا تخشون من رد فعل عنيف للحكومة؟
*هذا الموضوع يقودنا إلى شكل العلاقة بين الحكومة والمجتمع، لا يوجد لدينا ما نخسره، اعتقلت نوابنا، وشنت علينا حملات إعلامية شديدة، وصادرت مؤسساتنا، وفصلت موظفينا ومعلمينا، لم يبق هناك إجراءات متوقعة، والأهم من ذلك هو أن الحكومة لو أقدمت على إجراءات انتقامية فإن الحكومة تريد مجتمعا مدنيا مكونا من قوى تابعة لها، وهذا أدعى لأن يعاد ترتيب العلاقة بين الحكومة والمجتمع.

5:22 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

الشيخ راشد الغنوشي : الإسلام استوعب الحداثة وفق شروطه

وحيــد تاجـــا
  أكد المفكر الإسلامي التونسي الشيخ راشد الغنوشي - في حواره المطول مع "إسلام أون لاين " - أن المشروع الإصلاحي الوسطي يظل العمود الفقري للفكر الإسلامي المعاصر، كما تحدث عن الخطاب الإسلامي وعلاقته بالحداثة ومدى تقبله الآخر.
وأكد أن الاجتهاد في عمقه هو تفاعل بين الثابت والمتطور لتطوير الحياة ولحفظ حيوية الدين وصلاحيته واستمراره، مشيرا أن حركة الاجتهاد في الأمة الإسلامية تشهد نموا مضطردا خاصة في القرنين الأخيرين. 
وأكد الغنوشي في حواره أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تمكن من استيعاب الحداثة على شروطه على خلاف التجربة الغربية التي تم فيها استيعاب المسيحية وفق شروط الحداثة.
وأشار الغنوشي أن الإصلاحية الإسلامية في العصر الحديث سعت إلى تأسيس لمجتمع مدني متطور ومستقل عن الدولة رغم ضيق هذه المساحة نظرا لأن الدولة ليست الفكرة المركزية في رؤيتها.
 * هل نستطيع القول إنَّ هناك خطاباً إسلامياً معاصراً، له ميزات تختلف عن الطرح التقليدي ؟
** الإسلام رسالةَ الله الخاتمة إلى خلقه، وهو الأعلم بهم،والأقدر على تلبية حاجات الناس في كل أحوالهم وأزمانهم شريطة أن يحسنوا إجراء التفاعل الرشيد الدائب بين نصوص ومقاصد تلك الرسالة من جهة؛ وما يستجد من علوم ومعارف ومشكلات، بهدف التوصل إلى أنجع الحلول المناسبة لها من جهةٍ أخرى، بما يوفرمجال العمل لسنة التطور الضرورية لرقي الحياة ولكن ضمن الاتجاه العام لثوابت الدين ومقاصده.
عملية التفاعل هذه بين الثابت والمتطور الضرورية لتطور الحياة وحيوية الدين واستمراره هي بالضبط ما يعرف في الثقافة الإسلامية بالاجتهاد الذي عليه تتوقف حياة المسلمين- بحسب مداه- رقياً واستقامة أو انحرافاً وجموداً. وعلى الرغم من أنه لم يخل عصر من مجتهدين مجددين إلا أنهم كانوا يكثرون في عهود تطور الأمة وتحضّرها، ويقلّ عددهم وإبداعهم في عهود تخلّفها وانحطاطها.
الثابت أن الأمة تشهد منذ قرنين على الأقل نمواً متواصلاً لحركة الاجتهاد استجابة للتحديات التي واجهتها وتواجهها، وكان ولا يزال على رأسها تحدي الاحتلال الغربي بأبعاده المتشابكة التي تتجاوز المستوى العسكري المتفوق لتطال الأنموذج الحضاري بأبعاده الفلسفية العلمانية ومناهجه العلمية وأنماطه الحياتية وتنظيماته السياسية والإدارية والقضائية والثقافية الحاملة لتحدٍّ خلاصته تقول :" أيها المسلمون سبيلكم الوحيد للتقدم ولتكونوا لنا أنداداً اكتساب العلوم والمعارف والتقنيات، أن تفكروا كما نفكر وترتبوا أنماط حياتكم كما رتبنا، حتى وإن اقتضى الأمرإقدامكم على إجراء جراحات ضرورية على ديانتكم ومواريثكم كما فعلنا نحن مع عقائدنا ومواريثنا. لا مناص لكم من دفع هذا الثمن" !!.
 وما لبثت أن رددت هذا التحدي ذاته ثلة من أبناء المسلمين متأثرين بمنطق الغالب، فكان الخطب شديداً، ولم يكن بد من أن ينبري لهم من علماء الإسلام ومفكريه ودعاته من يرد غائلتهم؛ ويذب عن الملة وعن حضارة الإسلام عن طريق التأسيس لخطاب إسلامي حديث؛ يرسم الحدود بين ما يجوز «اقتباسه» من حكمة الأمم الأخرى - مما يتوافق مع تعاليم الدين ومقاصده وثبت نفعه - وبين ما هو من الخصوصيات الثقافية لأقوام آخرين تصادم قيم ديننا ومقاصده، بل هو عند التحقيق لا ينهض على قواطع من حقائق العلم والتجربة، مما نحن في غنى عنه، والبديل عنه موجود عندنا أو يمكن استنباطه بضرب من الاجتهاد أو استنباته.
                        سمات الخطاب الإسلامي المعاصر
*هل يمكن الحديث عن سمات لهذا الخطاب الإسلامي المعاصر ؟
** يمكن القول اليوم بعد قرنين من التفاعل مع تحدي الحداثة الغربية في أبعاده العسكرية والحضارية:
أ- إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تمكن من استيعاب الحداثة على شروطه، «مقتبساً» الحقيقي والصالح من كسبها، محتفظاً بشخصيته المستقلة، لأنه الميزان الأعلى للحق والباطل وللخير والشر، وبذلك أمكنه تهميش أيديولوجيات التحديث بمختلف مسمياتها اليمينية واليسارية التي طمحت إلى هضمه وزحزحته عن عرش سيادته " وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" ، وذلك خلافاً لما فعلته بالديانات الأخرى التي أخضِعت لشروط التحديث فأعيد تشكيلها وفقها، ما دفع الدين إلى هامش الحياة حتى أمكن في مجتمعات مسيحية عريقة التشريعُ لعلاقات زواج مثلي حتى بين القساوسة، بل والحديث عن قس لا يؤمن بالله!!
ب- إن جهود الإصلاح الإسلامي أقامت بفضل الله عملية إحياء ديني واسعة حفظت للمسلمين- أو أعادت لهم - ثقتهم المطلقة في الإسلام منهاجاً للحياة؛ شاملاً صالحاً كفيلاً بأن يقدم لهم كل ما هم في حاجة إليه من قيم وموجهات وتشريعات وفلسفة ونظم للحياة؛ إذا هم أحسنوا التفكر والتزموا بمناهج الاجتهاد المعتبرة.
ج- وكان من نتائج ذلك إحياء مبدأ الجهاد في الإسلام الذي بعث في الأمة من أقصاها إلى أقصاها قوى للمقاومة نجحت في تعديل ميزان القوة المختلة لصالح الأعداء، فما لبثت أن ردت جيوشهم الجرارة المتفوقة، على أعقابها تجرر أذيال الهزيمة، وما بقي اليوم من ذيولها فهو تحت النار، تنصب عليه سهام المجاهدين ولن يكون له من مصير غير ما كان لأسلافه من تولي الأدبارمحسوراً.
د- كما كان من نتائج تلك العملية الإصلاحية الضخمة إنجاز تطويرات مهمة لمختلف مناهج الفكر والبحث العلمي والتعليم والسياسة والاقتصاد والفنون والآداب على نحو أمكن معه للمسلم أن يعيش عصره في توافق تامٍّ مع دينه، فما يزيده اطلاعه وحتى تخصصه في أدق علوم العصر إلا إيماناً وثقة في صلاح الإسلام، وهو ما رجح جانب التيار الإسلامي في مختلف جامعات العالم الإسلامي وحيثما وجد مسلمون، على مختلف التيارات التي كان لها شأن ولوّحتْ بوعود التقدم وتحرير فلسطين وتوحيد الأمة، ثم ما لبثت أن ظهرت عليها شمس الحقيقة خيبة في كل المجالات فتفشت فيها عوامل الشيخوخة أسوة بمرجعياتها الغربية اليمينية واليسارية.
                                  الإسلام والحداثة
 * كيف ترى علاقة الإسلام بالحداثة وكيف انعكست على خطابه ؟
** في هذا الصدد طوّر الخطاب الإسلامي الحديث ثقافة نقدية للحداثة أبرزت ما فيها من معرفة حقيقية ومن نتائج كارثية على جملة العلاقات البشرية وعلى البيئة ذاتها، وهو طور من الخطاب الإسلامي أفاد من خطاب ما بعد الحداثة في سياق إسلامي تجاوزاً لخطاب إسلامي ساد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى زهاء منتصف القرن العشرين غلب عليه التوفيق بين الإسلام والحداثة الغربية بما جعله لا يخلو من قدر من الإعجاب بالمنجز الغربي، مدفوعاً إلى الحرص على إثبات توافق الإسلام معه ما أمكن ذلك، وهو الخط العام لإصلاحية الشيخ محمد عبده، بينما الخطاب الإسلامي غلب عليه مع سيد قطب والمودودي المنزع النقدي للأنموذج الغربي، غير أن الزاد المعرفي المتخصص في فكر الحداثة الغربية وما بعدها لم يبلغ من العمق ومن استخدام أدوات البحث العلمي أوجاً متقدماً إلا مع خطاب إسلامي أحدث عهداً، يعدّ الدكتورعبد الوهاب المسيري أهمَّ ممثليه في الفكر الإسلامي الحديث؛ وبالخصوص في موسوعته النقدية: «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة».
 *هل ترى أن الإصلاح الإسلامي اقتصر على تطوير الخطاب فقط ؟
** لم يقتصر الإصلاح الإسلامي بالطبع على تطوير الخطاب، بل مضى أبعد من ذلك إلى التأسيس لمجتمع مدني متطور مستقل عن الدولة رغم ضيق هذه به ودأبها على تحجيمه وحتى على استئصاله أحياناً؛ إما على خلفية حداثية فاشية متعالية تستخدم أدوات الدولة الحديثة لقمع خصومها المعارضين واستمرار استئثارها بالثروة والسلطة، كما هو حال معظم النخب الحداثوية المحتكرة للسلطة والثروة والثقافة عن طريق السطو على جهاز الدولة واستخدامه في تفكيك الهوية وتأبيد السيطرة قمعاً للداخل وولاء مطلقاً للخارج بما في ذلك المشروع الصهيوني.
 ومن نماذج هذا «الموديل» أنموذج الحداثة التونسية والجزائرية، المستأثرة منذ نصف قرن بالسلطة والثروة،إما اتكاء على شرعية التحديث المزعوم، وإمّا عزواً إلى خلفية ثورية أو عروبية تحريرية وحدوية شأن سورية والعراق البعثيين ومصر الناصرية.
لقد مثل غياب الخلافة صدمة في الوعي الإسلامي العام ما لبث أن دفع إلى البحث الناصب عن بدائل للاجتماع الإسلامي الطوعي؛ فكانت الأحزاب الإسلامية والجمعيات الخيرية والمدارس الإسلامية والنقابات والمكتبات ومنظمات الشباب والجمعيات النسويّةُ والأزياءالإسلامية النسوية والآداب والبنوك والشركات الإسلامية.
وما لبث الإصلاح الإسلامي بشقيه النظري والمؤسساتي أن تحول إلى مد كاسح مع اشتداد الهجمة الدولية على الأمة وتخاذل الحكومات القائمة المتهمة في دينها وولائها ونزاهتها عن القيام بواجب الدفاع عن الأمة، هذا المد الكاسح لم يقف عند حدود دار الإسلام؛ حيث لم يوفر مجالاً لم يقتحمه، حتى ما عاد يرتاب دارس لشؤون المسلمين في أن التيار الإسلامي هو القوة الشعبية الوحيدة التي يحق لها الحديث باسم الأمة وإجماعها، حتى وصف (لويس كانتوري) مستوى الأسلمة في مصر- مثلاً - بأنها أسلمت حتى الرقبة.
تشهد على ذلك كل مناسبة انتخابية تتوفر على حيز من الصدق، فتأتي شاهدة على هذه الحقيقة، بما يؤكد النجاح القَيِّمَ للمشروع الإصلاحي الإسلامي حتى وإن حالت دونه موازين القوة المختلة لصالح خصومه؛ ولكن ذلك لم يمنع كونه قوة الشارع والعمود الفقري للمعارضة؛ بينما المشروع العلماني مستمر – إلى حين – في الحكم ولكن اتكاء على القوة والسند الخارجي، أما آمال الناس في أنموذج الحاكم العادل الذي يستمد مرجعيته في ذاكرة الأمة من عهد النبوة والخلافة الراشدة؛ وتحرير الأوطان ومواجهة التحدي الدولي فمعلقة على الإسلام وحركاته؛ تشهد على ذلك صناديق الاقتراع حيثما سمح لها بالفرز الجاد، كما تشهد عليه ساحات الجهاد ضد المحتلين حيث يتصدى التيار الإسلامي لمواجهة الاحتلال المنتفش بقوته بكفاءة صانعاً توازناً للرعب، منتزعاً بين حين وآخر من فك الأسد انتصارات بـ "النقاط"في جنوب لبنان وغزة..غاب مثلها نهائياً في مسيرة الحكومات.
والدولةُ التي تعجز عن الدفاع عن الأرض والعرض تفقد شرعيتها. ولقد عرى اندحار حكومات العرب في مواجهة الغطرسة الصهيونية والدولية واستطالتهما على الأمة كل ما تبقى من شرعية النظام العربي، حتى امتشق الإسلام سلاحه يرفع التحدي، كعادته كلما انسدت السبل واشتدالظلام.
سيعرفني قومي إذا جدّ جِدّهم    وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدر
                           المد الإسلامي
 * كيف ترى امتداد الخطاب الإسلامي خارج دار الإسلام ؟
** لم يقتصر المد الإسلامي على هذا المستوى وإنما امتد خارج دار الإسلام التقليدية فكان للإسلام- كما للغرب في عصر اكتشافاته التي تسببت في اختلال هائل لموازين القوة لصالحه- عوالمه الجديدة على امتداد القارات، متفاعلاً مع ثقافاتها محتفظاً بهويته المتميزة مشاركاً في مشاغلها واهتماماتها اليومية.
وكل المؤشرات تدل على أنه سيكون للإسلام - بإذن الله - مستقبل زاهر في عوالمه الجديدة رغم تصاعد المكايد الصهيونية ونزعات التعصب لقطع الطريق دون ذلك، مستفيدة مما تأتيه جماعات إسلامية غاضبة على الظلم الغربي وأذنابه من حماقات بأثر ضعفها المعرفي بالعصر وتعقيداته وبالمشروع الإصلاحي الإسلامي وتنوع مناهجه وفق تنوع مناطات عمله.
غير أن المشروع الإصلاحي الوسطي يظل العمود الفقري للإصلاحية الإسلامية المعاصرة، يعبر عن نفسه حيثما عمل - لا بعدِّه مجرد مشروع سياسي يقاس نجاحاً وفشلاً بقدر ما يحقق على صعيد السلطة كما خيل لبعض الدارسين الذين تسرّعوا في إعلان فشل المشروع الإسلامي بناء على أدائه السياسي - وإنما بتقديره مشروعاً مجتمعياً شاملاً مركزه ليس الدولة وإنما الإنسان والأسرة ومؤسسات المجتمع الأهلي؛ والدولةُ ليست إلا أداة من أدواته؛ بما يجعل الحصول عليها ليس أعز المطالب بل قد يكون في ظل موازين مختلة كما هو اليوم طعماً مسموماً.
يعبر المشروع الإسلامي عن نفسه بشبكة واسعة من المؤسسات الثقافية والتربوية والاجتماعية، ومنها مؤسسات الإفتاء العاملة على استيعاب ما يستجد من علوم ومعارف ومشكلات في بوتقة الإسلام وتراثه. ومن ذلك ما ينهض به المركز الأوربي للدراسات والإفتاء من تطوير لفرع جديد للأصول والفقه الإسلاميين، فقه الأقليات، انطلاقاً من أن فقه الإسلام المعروف تطور في ظل السيادة الإسلامية العالمية بما يجعل جوانب منه على الأقل لا تستجيب لضرورات أقليات مسلمة مستضعفة تمثل اليوم أكثر من ثلث المسلمين المعاصرين.
 * وأين هذا الخطاب من العلاقة مع الآخر الفكري؟
** نستطيع القول إن الإسلام المعاصرقد توفر له المنهج المعرفي والثقافة والمؤسسة التي تفتح أمامه مجال مزيد من التطور المعرفي والمؤسساتي لاستيعاب ما يستجد في العالم وفي حياة المسلمين من تحديات تأسيساً على ثوابته، ومن ذلك انفتاح حركة الإسلام على تيارات أخرى عاملة في البيئة الإسلامية مثل التيار القومي والديمقراطي الليبرالي واليساري.
وتمثل منظمة المؤتمر القومي الإسلامي ومنظمة الأحزاب العربية إطارين للعمل المشترك، معزّزين بتعاون بين التيارين الإسلامي والعلماني المعتدلين، على امتداد كثير من الأقطار.
 كما أن التفاعل حاصل مع تيارات عالمية مناهضة للعولمة المتوحشة ومع مجموعات دينية معتدلة.
ومثلت المعارضة للحرب الإمبريالية على العراق وفلسطين ساحة لقاء بين الرابطة الإسلامية في بريطانيا - مثلاً - وبين الجماعات المناهضة للعولمة وللحرب، كان من نتائج ذلك اللقاء الاستراتيجي تسيير مسيرات مليونية.بما وسم الخطاب الإسلامي بسمات الشمولية في الاهتمامات والمبدئية والواقعية والتطور الدائم عبر التقويم الذاتي والانفتاح على تراث الإنسانية بمنهج نقدي إيجابي يفيد من كل جديد مفيد والالتحام بقضايا التحرر وهموم المستضعفين ومناصرة قضايا التحرر وحقوق الإنسان ومنها حرية المرأة وحقوق الأقليات في سياق وحدة الأمة وأوطانها. تلك ملامح عامة للخطاب الإسلامي المعاصر في سياق تطوره.

9:05 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

الدكتور العريان : نرفض الشرعية التي تقيد حركة الخوان

إسلام أون لاين 
صلاح الدين حسن - القاهرة
أكد الدكتور عصام العريان -عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين- في حواره مع  "  " أن جماعته لا تشعر بالحاجة إلى الشرعية القانونية، معترفا بأن فقدان تلك الشرعية خلق حواجز نفسية بين الجماعة والجمهور؛ تحاول الجماعة التغلب عليها، كما تشعر  الجماعة بأن الفرد الإخواني محاصر ومطارد؛ مما يقلل من نشاطه.
وأشار العريان إلى أن الإخوان لن تتقدم بطلب الاعتراف بها كحزب سياسي إلا إذا اتضح الأفق السياسي، كاشفا خضوع التجارب الحزبية للإخوان في المنطقة العربية للمراجعة بعد اكتشاف أنها تسير في أفق سياسي مسدود.
 وأوضح العريان أن الإخوان تفضل أن تبقى جماعة شاملة؛ لأن هذا هو سر بقائها وقوتها، بدلاً من أن تتحول إلى حزب سياسي لا يقوم بدوره الحقيقي المناط به، مشيرا إلى أن الجماعة الشاملة هي الأقرب والأنضج والأفضل لمجتمعات لم تتبلور فيها بعد قواعد سياسية واضحة.
البحث عن الشرعية
* هل تشعرون في جماعة الإخوان المسلمين بالحاجة للحصول على الشرعية القانونية؟
أعتقد أن الجماعة في كل مراحل تاريخها كانت حريصة على الشرعية القانونية والغطاء القانوني، وهي حتى هذه اللحظة التي نعيشها تجادل في ساحات القضاء حول أن شرعيتها القانونية لم تفتقدها، وأنه لا يوجد قرار بحل الإخوان ولا قرار يحظر نشاطهم، وما يجري هو إجراء سياسي قمعي يريد أن يضع الإخوان تحت الحصار والمطاردة المستمرة، وسأسوق لك موقفا يؤكد لك صحة ما أقول، ففي قضية التنظيم الدولي الأخيرة المتهم فيها الدكتور أسامة سليمان وصفت النيابة في مرافعتها الإخوان بـ "المحظورة" فقام القاضي بسؤال وكيل النيابة قائلا: هل لديك دليل على هذا؟ فتلعثم وكيل النيابة، وطالبه القاضي بتقديم ما يفيد ذلك من الناحية القانونية.وفي اعتقادي أن الشرعية القانونية للإخوان تقتضي أن يكف النظام عن وصفها بالمحظورة، ولكن هنا سنواجه سؤالاً: ما هو الشكل الذي ستكون عليه الجماعة؟ وهل ستعود الإخوان كهيئة سياسية عامة كما كانت من قبل، ولا تخضع لقانون الجمعيات بل تتم معاملتها معاملة خاصة؟أنا أعتقد أن هذه النقطة يجب أن تكون محل حوار بين النظام والجماعة؛ لأن الجماعة رفضت قبل ذلك أن تتحول لجمعية تخضع لقانون الجمعيات في مصر، فعندما أصر الرئيس السادات على أن تخضع الجماعة لقانون الجمعيات -الذي يحظر عليها النشاط في المجال السياسي، ويتعارض مع مفهوم الإسلام الشامل الذي يحمله الإخوان- اعترض الأستاذ عمر التلمساني -رحمه الله- ورفض أن يتم تقييد وتحديد نشاط الإخوان في عمل خيري أو تثقيفي فقط.
هذه إشكالية تحتاج إلى حوار بين الإخوان والدولة لضبط المشروعية القانونية، أما إذا كنت تقصد الرغبة في الحصول على حزب يمارس العمل السياسي فهذا شيء مستقر لدى الإخوان ورغبة لديهم في المجال السياسي؛ لكنه اصطدم برفض صريح وقاطع من الرئيس مبارك نفسه الذي قال في تصريح نادر: "لو منح الدستور الحق للإخوان في تنظيم حزبي فأنا لن أوافق على ذلك"، وبالتالي جرت تعديلات دستورية مشوهة لمنع وجود أي حزب أو أي نشاط على مرجعية إسلامية أو دينية.
 *      لكن ألا توجد لدى الإخوان الآن حاجة نفسية للحصول على الشرعية القانونية بعد انسداد الأفق السياسي في وجههم؛ الأمر الذي بدا واضحا بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة؟
 لا يوجد لدينا شعور بذلك، فالشرعية الواقعية أقوى بكثير من الشرعية القانونية، نحن عندما نقارن الإخوان -وهي في الوصف الرسمي "محظورة" ولا تحظى بمظلة قانونية- مع غيرها من الأحزاب التي لديها رخصة قانونية، نجد أن الإخوان أقوى وأكثر انتشاراً وأقوى تأثيراً، بل على العكس فالذين حظوا بمظلة قانونية أيضا كان لديهم شعور بأنهم حققوا إنجازاً ما، ولم يكن ليتمكنوا من الانطلاق في العمل، بل تم تقييد نشاطهم بطريقة أو بأخرى، أو تهديدهم بسحب هذه الرخصة القانونية.وإذا نظرت مرة أخرى لمسألة الحماية التي يمكن أن تضفيها الشرعية القانونية أو المظلة القانونية على أفراد الإخوان أو ممتلكاتهم سنجدها حماية وهمية، لأنه يمكن أن تسحب هذه المظلة في لحظة واحدة بقرار حكومي في ظل نظام لا يحترم القانون ولا القضاء.
*    لكن حجب الشرعية عن الجماعة يضعفها داخليا أيضا.. أليس كذلك؟
آثار حجب الشرعية تتمثل في وجود حاجز بين الإخوان كهيئة وبين جمهور الشعب؛ لأن هذا الحاجز يفترض أن يزول عندما يكون هناك مقرات معلنة وأنشطة واضحة يشارك فيها المجتمع، وبالتالي لا يكون هناك مشكلة لدى الفرد العادي في التعرف على الإخوان، هذا هو الأمر الأساسي الذي تؤدي إليه هذه المسألة، كما أن هناك شعوراً نفسياً لدى كثير من الإخوان بأنهم محاصرون ومطاردون، وهذا الشعور قد يقلل نشاطهم وحجم انطلاقهم في المجتمع، لذلك يحرص الإخوان عن البحث عن مظلات قانونية تزيل هذا الحاجز النفسي داخل الفرد الإخواني أو بينه وبين الجمهور، فانطلقوا في اتحادات الطلاب والنقابات المهنية ومجلس الشعب، وأسسوا العديد من الجمعيات في أنشطة متنوعة من أجل كسر هذا الحاجز.
المكون الفكري والثقافي
* ألا تؤثر حالة الحصار والتهديد الدائم  على المكون الفكري والثقافي لدى الفرد الإخواني؟
أعتقد أن الجانب الفكري والثقافي والتنظيري مرتبط أكثر بالمناخ العام في المجتمع؛ لأن هذا الجانب يمكن أن يتم بواسطة أفراد شريطة أن يكون المناخ العام يتيح مثل هذه الحرية الفكرية والعلمية، ويجب أن نلاحظ هنا أن المناخ العام والبحث العلمي في الجامعات المصرية وهي معاقل البحث، بل وفي الأزهر الشريف نفسه تعاني دماراً شديداً في الـ30 سنة الأخيرة.
 *     البعض يرى أن هناك قيادات في جماعتكم لا ترغب في الحصول على الشرعية، لأن ذلك قد يكلفها التنازل عن امتياز الجماعة الشاملة، أو يعرضها للمراقبة الحكومية والاختراقات الأمنية إلى آخره، ومن ثم فإن كل مساعيكم للحصول على الشرعية القانونية هي التصريحات لوسائل الإعلام بالرغبة في ذلك دون إجراءات عملية وواقعية؟
  هذا كلام غير صحيح ويفتقد للدقة وللموضوعية، وأنا أعتقد أن الكل حريص على الشرعية القانونية التي تتيح للإخوان النشاط كهيئة إسلامية عامة، فإذا كان الغرض هو تقييد حركة الإخوان أو حصرها في المجال السياسي فقط، أو في مجال خدمي فقط دون المفهوم الشامل للإسلام؛ فأنا أعتقد أن هذا لا يوافق عليه كل الإخوان وليس القيادات فقط.
 *     هل يمكن أن يكون هناك مبادرات تتضمن طروحات لحلول إشكالية النظام والجماعة؟
هذه الإشكالية بين النظام والجماعة لها طرفان، طرف النظام وطرف الجماعة، والجماعة قدمت مبادرات كثيرة جدا عمليا وليس نظريا، ولكن النظام لم يعد في مواجهة مع الجماعة فقط؛ بل أصبح في مواجهة مع كل القوى السياسية الفاعلة، وحتى الأحزاب الرسمية وعموم المجتمع المصري، نحن نعيش أزمة نظام تتآكل شرعيته المجتمعية.
*      لماذا لا تكون هناك مبادرات مجتمعية يفتح فيها الباب لحوار جاد لحل أزمة الجماعة مع النظام، وليس فقط الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية بالرغبة في ذلك؟
ليست تصريحات فقط.. أعتقد أن الإخوان -وقد عاصرت هذا على مدار 20 سنة مضت- قدموا مبادرات كثيرة جدا للنظام، مقابل أن يكون هناك حرية دعوة وحرية حركة، والنظام رفض ذلك تماما؛ لأنه يلعب على فكرة التوازنات، فشجع جماعات العنف في الثمانينيات على حساب الإخوان، فكان الحصاد المر الذي وقع في مصر، كما شجع جهات أخرى متشددة في الفكر والرؤية ومتزمتة في السلوك والتطبيق، وكان أيضا هذا على حساب المجتمع، وبدأنا نجني الحصاد المر.
النظام له رؤية مختلفة تماماً في إدارة الصراع مع المجتمع عبر توازنات يخلقها هو، ولا يريد من أحد أن يتدخل فيها، ونحن نفهم عقلية النظام المصري المستبد؛ لذلك نحن نتحرك بحكمة وحذر وحرص، لا نسعى لاستفزاز النظام ولا نسعى لرضاه أيضا، لكننا نمارس دورنا في هدوء وروية، ونتحرك في إطار الدستور والقانون.
الجماعة الشاملة
 *      يرى البعض أن على الجماعة أولا أن تحل إشكاليتها الفكرية والتنظيمية قبل أن تطالب النظام بالاعتراف بها ومنحها حقها في الوجود والحركة، مثل حل إشكالية الجماعة والحزب أو الدعوي والحزبي؟
هذه إشكاليات خلقها الباحثون؛ ولا يشعر الإخوان أن لديهم أدنى مشكلة بين الدعوي والسياسي، الإخوان يمارسون نشاطهم الدعوي في إطار ما يسمح لهم به وفق الدستور والقانون، ويمارسون نشاطهم السياسي في إطار ما يسمح به الدستور والقانون، وكلما ازدادت مساحة الحريات ازداد نشاط الإخوان في كل المجالات .
 *       لكن هذه الإشكالية تنعكس على علاقة الجماعة بالنظام، ولا تقتصر أبعادها على الداخل الإخواني فقط؟
أقول بكل ثقة ووضوح: الفرد الإخواني يمارس دوره الدعوي والسياسي دون أية إشكالية، مثله مثل أي مواطن مصري يمارس دوره الدعوي والسياسي دون أي حرج، أنا أذهب للمسجد لأخطب، وفي الوقت ذاته أعود لأكتب مقالة في الشأن السياسي، أو أكون عضوا في مجلس الشعب وغيري موجود بهذه الصورة ولا يوجد عليه أي حرج.
 *       لكن هذه الإشكالية تمنعكم من الاندماج في النظام السياسي القائم على علمانية الأحزاب السياسية؟
هذه الإشكالية لم تكن موجودة في وقت من الأوقات، وكانت الجماعة تمارس دورا سياسيا طوال تاريخها، المشكلة في المناخ العام الذي يحاول أن يمنع الجميع وليس الإخوان فقط، فما هي المشكلة عند حزب الوفد وهو حزب مدني وله مرجعية علمانية عندما يمارس التضييق عليه ويحرم من حقه من التمثيل السياسي الحقيقي!!؟ وما المشكلة مع حزب الوسط الذي قرر أن لا يكون له صلة بالدعوة، وأنه سيمارس السياسة فقط؟ الإشكاليات الحقيقية هي إشكالات داخل النظام السياسي نفسه، وإذا وجدت قواعد في العمل السياسي واضحة فسيكون أول من يتجه لها هم الإخوان المسلمون.
*   هل قيادات الجماعة على يقين أن جميع مساعيها للحصول على الشرعية ستقابل بالرفض البات، أم أن هناك من يرى إمكانية استجابة قيادات في النظام، يمكن أن تحلحل الوضع القائم؟
تجربة حزب الوسط تدل يقيناً على أن النظام السياسي لن يسمح بحزب جديد حتى لمن كان له سابق صلة بالإخوان وانفصل عنهم، وهناك دليل في حزب آخر لا صلة له بالإخوان مثل حزب الكرامة أو أحزاب مثل الغد والعمل.. نحن أمام نظام متصلب ومتسلط.
انسداد الأفق
*  هل يمكن أن تتقدم الجماعة ببرنامج حزبها إلى لجنة شؤون الأحزاب كبادرة حسن نية تبرهن على رغبة الجماعة في توفيق أوضاعها؟
العمل السياسي لا يقوم على مبادرات حسن النية، العمل السياسي يحتاج إلى قواعد واضحة، فعندما نتقدم إلى لجنة أحزاب نعلم أنها لن تقبل طلبنا فنحن حينذاك نمارس ما يعرف بالعبث، حتى لو قلنا في برنامج هذا الحزب أحسن الكلام.
أنا أستغرب جدا من الذين يتحدثون عن مبادرة حسن النية!، ليس هناك في هذا المناخ مجال لمبادرات حسن النية، أو لسد الذرائع، فيجب عندما نتقدم أن نكون معتمدين على واقع وليس مجرد وهم، وأن نكون واثقين من أن هذه التجربة يمكن أن تؤدي إلى قيام حزب حقيقي، وهذا ما حدث في الأردن واليمن والجزائر، فعندما بدا للإخوان هناك أفق واضح تقدموا للحصول على حزب.
وحتى هذه التجارب محل مراجعة اليوم من الجميع، لأنه ثبت في النهاية أنها تجارب في محيط أفق سياسي مسدود، أفق لا يسمح لهذه الأحزاب بالنمو نموا طبيعيا، ولا أن تمارس حياة طبيعية.
ويكفي أن نرى الآن في تجربتين مهمتين مثل الأردن واليمن أن حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن قرر مقاطعة الانتخابات، وهي أهم وظائف الحزب السياسي، وفي اليمن يهدد حزب التجمع في إطار اللقاء المشترك بمقاطعة الانتخابات أيضاً، وهذا يؤدي إلى أن هذه التجربة انتهت إلى لا شيء، وهذه هي المشكلة في الحياة السياسية العربية، وليست في مصر فقط.
السياسة تعني وفق القواعد المعترف بها إمكانية تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع بطريقة سلمية، وإذا لم يكن هذا الأفق ممكنا الوصول إليه في تطور طبيعي ستحدث انتكاسات تؤدي إلى إنهائه.
 *        هل ترى أن تنظيم جماعة الإخوان المسلمين ينافي فكرة الحزبية؟.. وهل الحياة السياسية في مصر قادرة على تحمل فكرة الجماعة الشاملة؟
الحياة المجتمعية في مصر قادرة على تحمل فكرة الجماعة الشاملة، والباحثون الاجتماعيون يقولون إن سر بقاء جماعة الإخوان ونجاحها وقوتها هو الجماعة الشاملة، وأن فكرة الجماعة الشاملة قد تكون أقرب إلى التفكير الأنضج والاختيار الأفضل لمجتمعات لم تبلور بعد قواعد سياسية واضحة يمكن البناء عليها.
أنا أعتقد أن أهم ما تحمله فكرة الجماعة الشاملة هو حسم الهوية العامة للمجتمع والدولة، لأنه بعد ذلك يمكن رسم قواعد واضحة للأنشطة المختلفة في المجال السياسي والاقتصادي وفي كل المجالات، أما الحياة السياسية فيجب أن يعاد التعمق فيها، خاصة بعد أن يعلن شخص بحجم محمد حسنين هيكل موت السياسة، ففي المنطقة العربية لم يعد هناك أفق سياسي وحتى السياسة في بلاد تريد أن تبعث السياسة من جديد وجدت صعوبة شديدة في ظل الخواء الذي تعانيه الأمة العربية.
بين نارين
*        ما رأيكم فيما يردده البعض من أن عدم تقديم هذا البرنامج للجنة شؤون الأحزاب يستفز النظام؟
النظام بين نارين، فهو يرغب في وضع الإخوان في القفص ليكونوا كبقية الأحزاب الأخرى، ولكنه يعلم أن الإخوان حريصون على أن يكون لهم حزب حقيقي وفاعل، وبالتالي سيكون غير قادر على تحجيمهم في القفص الذي وضع فيه الأحزاب الأخرى، وبالتالي فهو يمتنع عن مجرد التفكير بإمكانية إعطائهم الرخصة، ولاحظ أن معظم الأحزاب التي سمح لها في مصر كانت دائما في توافق مع النظام، وليس وفق إجراءات قانونية، حتى من أتى عن طريق محكمة الأحزاب؛ لأن هذه المحكمة في يد النظام.
*     هل ترى في تصريحات قيادات الجماعة بشأن البرلمان الموازي محاولة لامتصاص غضب النظام، والإشارة بأن الجماعة حريصة على الشرعية الدستورية؟ وهل يمكن ربط ذلك بفكرة سعي الجماعة للحصول على الشرعية القانونية؟
لا إطلاقاً... نحن نسير مع القوى الوطنية في إطار عمل مشترك، ونحن عندما قلنا إننا نرفض اسم البرلمان الموازي فلم نكن نعترض على المسمى، وبالتالي سميناه مع آخرين البرلمان الشعبي، ودعونا أن يكون هذا الاسم هو الاسم المتوافق عليه لدى الجميع، ونجحنا في ذلك؛ لكن المضمون نفسه نحن معه أن يكون هناك وعاء وطني يجمع كل القوى الوطنية من أجل دراسة ما يطرح من مشروعات قوانين أو سياسات عامة.
النزول للشارع
*     هل هناك بالفعل "تفعيل لهيكل الجماعة القائم" وإجراءات لتعديلات في النقاط التي أثارت جدلا في اللائحة؟ وما آلية تنفيذ ذلك؟
بالتأكيد هذا شيء طبيعي موجود في اللوائح والمناهج وفي كل ما يخص الإخوان، وهذا شأن داخلي لا يتوقف، فالإخوان جماعة حية، جماعة تنمو وحياتها سر قوتها، قد يكون تطورها بطيئاً، وقد لا يرضي بعض الإخوان كما لا يرضي بعض المراقبين الخارجيين، لكن هذا لا يعني توقف التطور والنمو.
 ·   هل هناك محاولات لتفعيل دور مجلس شورى الجماعة في مواجهة مكتب الإرشاد؟
هناك إجراءات الآن لتفعيل دور مجلس الشورى، ومجلس الشورى هو الذي اتخذ أهم القرارات الأخيرة، سواء مقاطعة الجولة الثانية، أو المشاركة في الانتخابات، أو الانتخابات الداخلية في الجماعة، لكن المشكل الحقيقي هو أن مجلس الشورى لا يستطيع أن يجتمع مكتملاً، وبالتالي حواراته تكون حوارات مناطقية وليست حوارات شاملة لكل أعضائه وهذا عائق خطير.
 *    هل يمكن أن يكون هناك قناة للحوار مع ما يطلق عليه إعلامياً جبهة المعارضة، والتفاهم مع ما يطرحونه من مطالب؟ أم أن هذا مشروط بأن يتم الحوار داخل البيت الإخواني وبعيدا عن وسائل الإعلام؟
لا لا.. أي شيء يحدث في الإخوان لا يجب أن يكون حوارات إعلامية، بل  يجب أن تكون حوارات داخلية لكن عبر الإعلام، لا توجد هيئة محترمة في العالم تسمح أن تكون حوارات تخص شؤونها الداخلية عبر الإعلام.
 *    وما رأيكم فيما طرحه الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح من فكرة فصل الدعوي عن الحزبي، وفي ترك الجماعة الانتخابات لعدة سنوات؟
هي فكرة مقدرة لكن المشكلة أنها قد تناسب بلاداً ونظماً تفهم هذا الطرح وتتجاوب معه، ولكن نظاماً مثل النظام المصري يفهم هذا فهماً خاطئاً ولن يتجاوب معه. سيفهم أن الجماعة انسحبت وانهزمت تماما، والمعيار الذي أخذت به الجماعة هو أن الأفيد لها هو المشاركة وليس الخروج من الساحة السياسية؛ بغض النظر عن تصرفات النظام.

8:42 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

الأرشيف