--------------------------------------------------------------------

المشاركات الشائعة

زوار المدونة

أحدث التعليقات

المتابعون

إحصائية المدونة

تعلقات القراء

إقرأ أيضا

كيف نغير مابأنفسنا

الحمد لله رب العالمبن والصلاة والسلام علي إمام الدعاة وسيد المرسلين
 اما بعد فما من عام يمر علي امتنا الاسلامية في وقتنا الحاضر إلا ويحمل معه جرحا جديد في جسدها يضاف الي جراحاتها السابقة ..
فعام لأفغانستان وعام للشيشان وآخر للعراق أما فلسطين فجرحها يتجدد باستمرار ويزداد عمقا بمرور الأيام 
هذه الجراحات كانت تحدث بالأمس في جسد الأمة  ولا يكاد يشعر بها احد اما اليوم فالوضع يختلف ,فمع انتشار الفضائيات , ووسائل الاتصال اصبح من السهل علي كل مسلم أن يشاهد ما يحدث لإخوانه المسلمين المضطهدين في شتى بقاع الأرض من تقتيل ,وتشريد , وإذلال , وانتهاك للحرمات مما يحرك الدمع في المقل ويْعلق الأبصار بالسماء , ويكلق الألسنه بالدعاء ..نسأل المولي عز وجل أن يكشف الغمة ,ويُفرج الكرب , ويُنزل نصرة الذى  طال انتظاره ..لسا حالنا يقول :
                                 
                          هل من نهاية لما نحن فيه ؟               
                         هل لهذا الليل من آخر  ؟
                          متي نصرك يا الله ؟
ورغم الدعاء والتضرع والستغاسه بالله عز وجل فإن الوضع مستمر علي ما هو عليه , بل ويزداد سواًفي بعض الاماكن , مما حدا بالبعض لآن يتساءل لماذا يتركنا الله هكذا  أضيع من الايتام علي مائدة الئام؟
             لماذا لايستجيب الله دعاءنا , ويرفع عنا الذل والهوان ؟      
أين أثر دعوات  الثكالي والمظلومين من المسلمين في كل مكان ,
إن لم يكن الاًن فمتي _إذن يكف الله بأس هؤلاء الذين كفروا؟
هذه الاسئله وغيرها تتردد في أذهان الكثير من أبناء الأمة منطلقه من يقينها بأن الله عز وجل قادر علي تغيير ما نزل بساحتنا وحاق بنا في لمح البصر ..أليس هو القائل:"إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون".(يس:82)
اليس هو سبحانه الذي اغرق فرعون وجندة , واهلك عادا وثمود ,؟
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (7) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (8) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (9) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (10) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (11) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (12) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (13) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)(الفجر 6_14)
اليس هو سبحاته وتعالي الذي استنصرة نوح عليه السلام فاسجاب له ونصرة مؤزرا

  • (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُّنْهَمِرٍ


  • وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ


  • تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَئ)(القمر:11_14)


  • فلماذا إذن لا ينصرنا الله عز وجل وقد بحت أصواتنا بدعائه؟
    لماذا تاخر المدد الإلهى ونحن في مسيس الحاجه اليه اليوم قبل الغد ؟
    فإن قيل المدد لا يننزلإلا علي من يستحقه كان السوال فما المطلوب نتا نفعله لنكون أهلا له ؟أين نضع نقطة البدايه لطريق النصر والتغيير ؟ وكيف نبدا؟           
    هذة مقدمه لكتاب  كيف نغير مابأنفسنا ؟ 
                                                          للدكتور .مجدي الهلالي والله الموفق  

  • 8:01 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

    دراسة إسرائيلية: الثورة المصرية أخرجت السلفية من الغيبوبة

    نشر مركز "موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا" في أكتوبر 2011، في سلسة الدراسات الدورية التي ينشرها، دراسة عن "السلفيين في مصر بعد ثورة 25 يناير" أعدها الباحث "مايكل باراك" ووصفت الدراسة الثورة المصرية بنقطة التحول المحورية في تاريخ التيار السلفي، ورأت الدراسة أن الثورة أخرجت التيار السلفي من غيبوبته السياسية، إلى المشاركة في السياسة.
                                              التقارب بين مبارك والسلفية
    وأشارت الدراسة أن السلفيين لم يشاركوا في الثورة ضد حكم مبارك،  ولكنهم اتخذوا موقفا محذرا من "الفتنة" التي قد تعم البلاد بسبب الثورة، ولذا حرصت غالبية القوى السلفية على منع تابعيها من المشاركة في المظاهرات، تحت ذريعة عدم الخروج على ولي الأمر، واستشهد الباحث الإسرائيلي بتصريحات الشيخ السلفي "مصطفي العدوي" الذي بث التلفزيون المصري دعواته للمتظاهرين بضرورة العودة إلى بيوتهم والكف عن التظاهر، وكذلك نزول بعض مشايخ السلفية إلى ميدان التحرير، مثل "أسامة القوصي" الذي حاول إقناع المتظاهرين بفض المظاهرات، ودعوات مشايخ آخرين، مثل محمود المصري لاستخدام القوة من أجل فض المظاهرات.ورأت الدراسة أن السلفيين فضلوا الوقوف إلى جانب مبارك في بداية الثورة، خوفا من تدهور العلاقات معه، مستندين إلى تفاسير دينية بتحريم الخروج على الحاكم، ولكن الدراسة أشارت إلى أن هناك شيئا آخر أثر في توجه تلك الجماعات، ألا وهو علاقتها الجيدة مع نظام مبارك، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة ، ورأت أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية كانت وراء هذا التقارب.
    الأول: رغبة النظام في استخدام التيار السلفي كقوة مؤثرة يمكن استخدامها لمواجهة القاعدة الاجتماعية الكبيرة للإخوان المسلمين، خاصة بعد حصولهم على (88) مقعدا في البرلمان في انتخابات 2005.
    الثاني: رغبة نظام مبارك في استغلال السلفية، لوقف تسرب الأفكار المتطرفة للتيارات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة .
    الثالث: إن التيار السلفي في مصر لم يظهر أبدا رغبته في المشاركة في العمل السياسي، لذلك بدا كقوة يمكن للنظام استغلالها
    ورأت الدراسة أن السلفيين جنوا ثمار هذه التوافق مع النظام المصري، الذي أتاح لهم حرية التعبير، وهذا ما ظهر عام 2006 عندما سمح لهم النظام بافتتاح عدد من الفضائيات السلفية، وعن طريقها استطاع التيار السلفي التوغل لجميع البيوت المصرية وتوسيع دائرة نفوذه في المجتمع، لكن تلك الفضائيات أدت إلي زيادة شعبية شيوخ السلفية وتحولوا إلى نجوم في المجتمع، وعندما تعاظمت قوتهم قامت السلطات المصرية في عهد مبارك بإغلاق عدد من القنوات السلفية في 2010، إلا أن تلك الخطوة لم تحرك السلفيين ضد مبارك.
     السلفيون بعد مبارك
    وبعد تنحية مبارك في فبراير 2011 دخل السلفيون على الساحة السياسية في مصر، وقرر السلفيون ترجمة قوتهم الاجتماعية في الجانب السياسي، وفي الحادي والعشرين من إبريل أعلنت "الدعوة السلفية" عن تأسيس حزبها تحت اسم "حزب النور"، والذي كان بمثابة الإشارة لانطلاق العديد من الأحزاب السلفية في مصر، كحزبي "الفضيلة " و"الأصالة" .
    وذكر مايكل أن "الدعوة السلفية" أفتت بأن الانضمام إلى الأحزاب السلفية هو إلزام شرعي، وأن الانضمام للأحزاب العلمانية ممنوع بحكم الشريعة، وذكرت الدراسة أن السلفيين برروا دخولهم العمل السياسي، بالحفاظ على الهوية الإسلامية لمصر.
    وأعلنت أطراف سلفية أخرى، تشكيل "مجلس شورى العلماء"، ذلك المجلس الذي يضم عددا من شيوخ السلفية البارزين، وذلك بهدف ممارسة ضغط سياسي على صانعي القرار في مصر، كي لا تلغى المادة الثانية من الدستور، والتي تضمن العمل بالشريعة الإسلامية.
    وتناول الباحث خروج القوى الإسلامية إلى ميدان التحرير في التاسع والعشرين من يوليو الماضي، حيث خرج عشرات الآلاف من السلفيين والأخوان فيما عرف بـ"جمعة الحفاظ على الشريعة"، مرددين شعارات دينية مثل "الشعب يريد تطبيق الشريعة" و"القرآن دستورنا".
    وبحسب الدراسة، فإن المعضلة الأساسية التي يواجهها السلفيون في مصر، هي نقص الخطة السياسية المنظمة أو الرؤية السياسية الواضحة، مرجعة هذا الأمر إلى فشل السلفيين في الانخراط في الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة، ولكن في أعقاب التغيير المفاجئ على الساحة المصرية والخواء السياسي الذي بات موجودا، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تقديم أجندتهم الإسلامية من دون أن يكونوا مستعدين أو لديهم أي تجارب سياسية، لكن الدراسة رأت أن السلفيين سيدخلون في تحالفات مع قوى أخرى مثل الإخوان لتعزيز أهدافهم الإسلامية

    1:12 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

    التدافع السلفي الصوفي للتعبير عن الإسلام


    يضم كتاب "زمن الصراع على الإسلام: التدافع الكوني على أنماط التدين الإسلامي بين الشرق والغرب" الصادر2011 للباحث المغربي منتصر حمادة، الذي يعمل رئيس تحرير جريدة منبر الرابطة التي تتبع الرابطة المحمدية للعلماء، مجموعة من القراءات النقدية يستطلع من خلالها الكاتب بعضا من المؤلفات والإنتاجات الفكرية، التي تتمحور خطوطها العريضة حول خلفيات قضية "الصراع على الإسلام"، في المرحلة الزمنية التي تلت صدمة الاعتداءات على برجي نيويورك عام 2001.
    ويستعرض الكتاب، الصادر عن دار "صفحات دمشق"، ملامح ما سماه "الاشتباك المعرفي" بين عدد من المفكرين العرب والمسلمين، ونظرائهم الأمريكيين والغربيين، حول الصراع على النطق باسم الإسلام، الأمر الذي وضع تحديات معرفية وفلسفية وفقهية على العقل الإسلامي المعاصر.
    وتتوزع مشاغل كتاب حمادة على تمهيد وأربعة فصول، الأول خُصص لبحث استطلاعي حول الكتاب المعروف " الإسلام بين الشرق والغرب" للمفكر والسياسي البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش، والثاني جاء موسوما بعنوان " أسئلة الصراع على الإسلام: أي إسلام نريد نموذجا"، بينما تطرق الفصل الثالث ـ الذي يهتم به هذا العرض أكثر ـ إلى التدافع السلفي الصوفي كنموذج لاستحقاقات الصراع على الإسلام، أما الفصل الرابع والأخير، فقد عرج على معارك "الاشتباك الفكري" بين المثقفين الأمريكيين والعرب.
    الإسلام بين الشرق والغرب
    بسط  الكتاب في فصله الأول ما وصفه بالتحفة المعرفية " الإسلام بين الشرق والغرب" لعلي عزت بيغوفيتش، مبديا إعجابه الشديد بما قال إنها "فتوحات أنوارية" للإسلام الأوروبي، حيث استطاع بيغوفيتش في مؤلفه الشهير أن يجيب بطريقته المعرفية السلسة عن تساؤلات مفصلية ومحورية، من قبيل موقف الإسلام من التصادم الفكري والإيديولوجي الذي يتسم به العالم المعاصر، وذلك من خلال إيراده لتأملات معرفية وسياسية يحتاجها المسلمون اليوم، رغم أن الكتاب خطه الراحل سنة 1994، أي قبل منعطف أحداث سبتمبر 2001.
    وتساءل حمادة، وهو يستطلع كتاب بيغوفيتش، عن الدوافع التي تجعل من فكر بيغوفيتش يحتل أهمية ذات اعتبار خلال السنوات الأخيرة، وأيضا عن الأسباب التي تمنح للكتاب ذاته إمكانية هز العقل الإنساني المعاصر هزة معرفية قوية.
    فبيغوفيتش يتحدث متناولا قضية مكانة الإسلام وموقفه من الصدام الإيديولوجي الراهن، عن تشكل العالم المعاصر من ثلاثة وجهات نظر أساسية، وهي النظرة الدينية، والنظرة المادية والنظرة الإسلامية، والتي تعكس كلها ثلاث إمكانيات مبدئية، هي: الضمير، والطبيعة، والإنسان؛ وتتمثل كل منها على التوالي في المسيحية والمادية والإسلام.
    وبالنسبة للمفكر البوسني، فإن الأولى تبتدئ من وجود الروح، والثانية من وجود المادة، والثالثة في الوجود المتزامن للروح والمادة معا، حيث إنه لو كانت المادة وحدها هي الموجودة، فإن الفلسفة التي تترتب على ذلك هي الفلسفة المادية، وعلى عكس ذلك إذا وجدت الروح، فالإنسان بالتالي يكون موجودا أيضا، وحياة الإنسان تصبح بلا معنى بغير نوع من الدين والأخلاق. والإسلام هو الاسم الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة، وهو الصيغة الأسمى للإنسان نفسه.
    استحقاقات الصراع على الإسلام
    الفصل الثالث الذي يتناول "التدافع السلفي الصوفي" كنموذج في مسألة استحقاقات الصراع على الإسلام، وذلك من خلال الطواف المعرفي في ثنايا كتاب "الإسلام والأصولية وخيانة الموروث الإسلامي" وهو عبارة عن أبحاث كتبها باحثون مسلمون غربيون، بعضهم من معتنقي الإسلام، والبعض الآخر مسلمون مقيمون في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
    ويُدرج حمادة هذا الكتاب في خانة ما وصفه بالاشتباك المعرفي فقهيا وفكريا مع أدبيات الحركة الإسلامية الجهادية، بل جاء الكتاب منتقدا أيضا لعمل وأداء الحركات الإسلامية المعتدلة، ذات التوجه الإصلاحي، ليخلص مؤلفوه إلى أن البديل ليس سوى أحد أمرين: الإسلام التقليدي أو التصوف دون غيره.
    ولفت حمادة الانتباه إلى ما جاء في دراسة داخل الكتاب ذاته، موسومة بعنوان: "أفول المعرفة وظهور الأيديولوجية في العالم الإسلامي"، للباحث الأمريكي المسلم جوزيف أ. ب. لمبارد، والذي يشغل منصب أستاذ في الدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، حيث انتقد بشكل واضح الحركات الإسلامية الجهادية المتشددة، بسبب تبنيهم للتأويل القرآني الضيق وغير الحقيقي لمعاني الآيات كما هو متفق عليها.
    وزاد المفكر الأمريكي بأن الحركات الإسلامية ذات التوجه المتشدد اختزلت الدين في كل ما هو إيديولوجي، الأمر الذي يفضي إلى قلب مهام ووظائف الدين، إذ لن يتمثل في تنقية القلب وتصفيته من الشوائب، بقدر ما ستتحول إلى اللهث وراء تحقيق المكاسب الفردية، والمغانم السياسية ذات الأثر المحدود والزائل.
    وبعد أن حاول لمبارد "شيطنة" التيار الوهابي في السعودية وباكستان بسبب ما اعتبره تشبثا حرفيا صارما بالقرآن والسنة دون إعمال للعقل والفكر، انتقل إلى انتقاد الحركات الإسلامية المعتدلة التي لم تسلم بدورها من سهام نقده، باعتبار أن الإصلاحيين يهملون تنمية العلوم الإنسانية الذهنية التي تتيح استعمال ملكات تفسيرية تجعلهم أكثر شمولية في نظرتهم للعلم الحديث، ويكتفون فقط بالعمل بالعلوم النقلية وحدها.
    الانتصار للإسلام التقليدي
    وبحسب منتصر، فإن المفكرين الذين شاركوا في كتاب "الإسلام والأصولية وخيانة الموروث الإسلامي"، انتصروا لخيار "الإسلام التقليدي"، ففي الوقت الذي بدأ فيه الغرب نفسه يسأل أسئلة حول إرثه الحداثي، من علمانية، وعقلانية، وإنسانية، وغيرها، وبدأ البحث عن الروحانية الحقيقية يزداد بسرعة في الغرب، يستطيع التراث الفكري والروحي الإسلامي أن يقدم أجوبة حاسمة وبعيدة الأثر، فلا الحركات الدينية المتزمتة التي تحصر الحقيقة في نظرة حرفية ضيقة، ولا الحداثة الليبرالية التي تعتبر الحقيقة نسبية تستطيعان القيام بهذه المهمة".
    وبالنسبة لكبير مستشاري رئيس وزراء تركيا، إبراهيم كالين، فإن المماثلة بين الإسلام والعنف والقتال من جهة، وبين عدم التسامح والاستبداد من جهة أخرى، أصبحت اليوم من بين الصور القوية التي يتم بواسطتها فهم المجتمعات الإسلامية، والحكم عليها من طرف العالم الغربي.
    أما الباحث وليد الأنصاري، في كتاب "الإسلام والأصولية" فقد خصص اجتهاداته في الكتاب لتحليل أسباب وتداعيات الحرب العالمية القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية، والحركات الإسلامية الجهادية، ومن ضمنها الأسباب الخارجية التي تغذي الأرضية التي تقتات عليها هذه الحركات في تبني الخيار الجهادي، وتساهم بالتالي في إطالة أمد هذه الحرب.
    ومن تلك العوامل الخارجية، ما أورده باحثون آخرون أبرزوا أن القضية الفلسطينية وحرب العراق قد زادتا من إحساس مسلمي أوروبا بالظلم العالمي، من خلال الاستشهاد بنتائج استطلاع ميداني تأكد فيه أن ما يقارب ثلث الشباب المسلم يوافقون على الرأي القائل بأن التفجيرات وقعت في لندن ، لها ما يبررها بسبب الدعم البريطاني للحرب على الإرهاب.
    وبحسب كتاب منتصر حمادة، فإن تزايد عدد الأصوات التي تدعو إلى الانتصار لنموذج الإسلام التقليدي أو الإسلام الصوفي، يتزامن مع مبادرات غربية، وأمريكية على الخصوص، حيث تقوم على الاستعانة بالطرق الصوفية، في مواجهة التيارات السلفية الوهابية.
    وُطرح سؤالان رئيسيان في هذا الصدد، الأول: هو إلى أي حد يمكن الرهان على توظيف الطرق والزوايا في الدول العربية والإسلامية في معرض التصدي للفكر الأصولي الوهابي، والثاني: حول طبيعة الأدبيات الصوفية التي يعول عليها التصدي الفقهي لما يصدر عن الحركات الإسلامية القطرية، والتي تتنافس ضد السلطة تأسيسا على أدبيات فقهية؟ ..
    وخلص حمادة إلى أن كتاب "الإسلام والأصولية وخيانة الموروث الإسلامي"، نجح في تمرير أوراق نقدية صريحة في نقد أوهام الحركات الإسلامية المتشددة، دون تبني القراءات النقدية الاختزالية، وإنما عبر اللجوء إلى مطرقة "النموذج التفسيري المُركّب، بتعبير المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، في خروج عن النمط التفسيري الاختزالي الذي يُمَيِّز العديد من القراءات النقدية لظاهرة الحركات الإسلامية عموما، والجهادية تحديدا".

    1:06 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

    حرب الفتاوى بين الصوفية والسلفية قرب الانتخابات المصرية

    على الرغم من الهدوء الذي ساد الحياة السياسية في مصر بين الصوفيين والسلفيين لفترة عقب مؤتمر التصوف العالمي الذي عقد في 24 سبتمبر 2011، وأعلن فيه الصوفية أنهم ليسوا على خلاف مع السلفيين وقام بعض رموز السلفية في مصر بحضور المؤتمر من بينهم د. محمد مختار المهدي، رئيس الجمعية الشرعية لتعاون العاملين للكتاب والسنة، إلا أن تلك الهدنة انتهت لتظهر خلافات أخرى بين الصوفية والسلفية تتمثل في إطلاق الفتاوى بالتحريم لانتخاب الليبراليين الذين يتضامن معهم الصوفية في حزب التحرير الصوفي، وبالخيانة لمن ينتخب أحدا من السلفيين في الانتخابات القادمة.
    فتوى عامر
    الفتوى التي أشعلت الصراع من جديد أطلقها الشيخ محمود عامر، القيادي السلفي، ورئيس جمعية «أنصار السنة المحمدية» بدمنهور، عندما أكد حرمة التصويت في الانتخابات للمرشح المسلم الذي لا يصلى، والقبطي والعلماني والليبرالي الذي لم يتضمن برنامجهم تطبيق الشريعة الإسلامية، وفلول الوطني، وذلك رغم تحالف الصوفية في حزب التحرير مع من يسمونهم السلفيين بالليبرالي.
    وعامر من المحسوبين على ما يسمى بالسلفية المدخلية التي ترى أن الحاكم هو ولي الأمر الواجب طاعته، وكان عامر قد أفتى بالتوريث لجمال مبارك ابن الرئيس المخلوع، وكان أصدر عددا من الفتاوى مؤيدة للمخلوع مبارك حتى إنه أهد دم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد البرادعي في فتوى لأنهم يعارضون نظام حكم مبارك،
    وعلى الرغم من إعلان حزب التحرير المصري الذي يمثل الصوفيون منه 50% أعلن تضامنه مع أحزاب ليبرالية وعلمانية من بينها حزب مصر الفتاة، وحزب الخضر المصري، وحزب الجيل الديمقراطي، باعتبارها شريك في الوطن يجب التعاون معها إلا أن عامر قال :" إن التصويت لهؤلاء حرام شرعاً، ومن يفعل ذلك فقد ارتكب إثما كبيرا وتجب عليه الكفارة»، وطالب الناخبين بالتصويت لمرشحي القائمة الإسلامية، أو أي مرشح دائم التردد على المساجد.
    كما أن عامر حرم التصويت للأحزاب التي ينشئها أقباط والتي منها حزب المصريين الأحرار الذي أنشأه رجل الأعمال القبطي المصري نجيب ساويرس وانضم إلى أمانته السياسية شيخ الطريقة الرفاعية طارق الرفاعي وهي أكبر طريقة صوفية في مصر تضم ما يزيد عن ثلاثة ملايين صوفي. .وقال عامر :" «في كل الأحوال حرام شرعاً التصويت للقبطي أو الليبرالي على المقاعد الفردية، أما إذا ترشح في قائمة بها مسلمون وأعلن أنه يؤيد تطبيق الشريعة ويضعها في برنامجه فلا ذنب يقع على من صوت له»، وأضاف أن التصويت للعلمانيين حرام شرعاً سواء مع الشريعة الإسلامية أو ضدها، لأن العلمانية حرام.
                                           عامر ليس وحده

    لم يكن عامر وحده هو صاحب تبني فكرة تحريم التصويت للأحزاب العلمانية والليبرالية حيث أفتى الشيخ أحمد فريد، عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية في الإسكندرية أن الإسلام لا يعرف المسلم العلماني أو المسلم الليبرالي، «فهذه المبادئ تخالف دين الله، ولا يجوز أن نقول هذا مسلم علماني أو مسلم ليبرالي، فلا تخدع نفسك، إما أن تكون مسلماً، أو تكون علمانياً، أو ليبرالياً.. فالإسلام لا يعرف الليبرالية أو الحرية المطلقة بما فيها من حريات اقتصادية وسياسية واجتماعية وجنسية."
    وكان أول رد فعل على تلك الفتاوى السلفية ما أكدته الطريقة العزمية الصوفية عبر موقعها الرسمي من أن تلك الفتاوى لا علاقة لها بالدين، وان المطبخ السلفي يقدم فتاوى لا أصل لها، وأنه في دار الإفتاء السلفي سيفتون بعد ذلك بأن حليق اللحية كافر، وكذلك الأشعري والصوفي .
    كما علق الشيخ علاء ابو العزائم على الفتوى بقوله :"كل هم السلفيين هو إقامة دولة إسلامية غير متحضرة، فيريدوننا أن نربى ذقوننا فقط ونرتدي الجلابيب القصيرة والنساء ترتدي النقاب، وذلك وفق مقومات فهمهم الضعيف.
    وشدد لـ" إسلام أون لاين " على أنه لا يصح أن ننتخب شخصا كونه متدين، فلا بد من انتخاب من لهم خبرة وفعالين في المجتمع فالمهم خدمة الوطن".
    صوفيون: التصويت للسلفيين خيانة!
    الفتاوى السلفية في الانتخابات قابلها أيضا فتاوى صوفية تهاجم السلفيين وتعتبر التصويت للسلفيين في الانتخابات خيانة، وهو ما أكده الشيخ علاء أبو العزائم شيخ الطريقة العزمية في فتوى له أصدرها السبت 29 أكتوبر 2011، فقال :" إن التصويت للسلفيين خيانة للوطن نفسه".
    واعتبر التصويت للسلفيين في أي انتخابات قادمة هو هدم لمصر، فكل صوت يدلى به مواطن لصالح سلفي فهو يعد بمثابة هدم طوبة في بناء مصر، مؤكدا أنهم إذا وصلوا إلى مجلس الشعب ستتخلف مصر أكثر من مائة عام.
    وفي منطقة وسط يبرز رأي علماء الأزهر الرافض لتلك الحرب بين الصوفية والسلفية في قضية الانتخابات، مؤكدين أنه لا يجوز أن تصدر الفتاوى لإشعال حرب بين فصيلين يحملان مسميات إسلامية كالصوفية والسلفية .
    ويؤكد د. محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية لـ" إسلام أون لاين": أنه لا يجوز لأي ممن ينتمي للصوفية أو السلفية أو غيرهما أن يلون الدين بألوان السياسة ويصدر فتاوى تهاجم كل طرف الآخر، بل وتحرم أمورا غير وارد تحريمها "
    وأكد أنه لابد وأن تكون السياسة أمرا بعيدا عن عمل كل تيار ديني في مجال الدعوى أو الفتوى، وتصبح الانتخابات خاضعة لتنظيم سياسي وليس لإصدار فتاوى من هنا وهناك.
    وأشار إلى أن اشتعال حرب الفتاوى بين الصوفية والسلفية تعد حاجزا جديدا يعوق دون التقريب بين الصوفية والسلفية، حيث تحول كلا التيارين إلى تحصيل مكاسب سياسية، ويبحث كل منهما عن دور في هذه المرحلة .
    وشدد الشحات على أن مثل هذه الفتاوى المسيسة تؤدي للبلبلة وتقحم الدين في مسألة من الشئون التي تتغير فيها الأنظار وتتفاوت فيها المصالح وتفسر لصالح هذا أو ذاك دون التفات إلى مصلحة المجتمع.
    ويرى د. الجندي أنه يمكن نزع الخلاف بين الصوفية والسلفية، من خلال الفهم المعتدل للإسلام والسنة، وهو ما يتطلب من الصوفية والسلفية أن تطرح الرؤى الضيقة في احتكار تفسير الإسلام وإخضاعها وفق رؤى بعضها سياسي وبعضها خلافي.
    ويعتبر د. عبد المعطي بيومي، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، أن تلك الفتاوى تزيد من هوة الابتعاد بين الفريقين الصوفي والسلفي ، وتجعلهما أبعد ما يكون عن الفهم الصحيح للدين .
    ويؤكد أن مثل تلك الفتاوى التي تحرم التصويت لهذا لكونه ليبراليا أو صوفيا أو لذاك لكونه سلفيا لا يعد من قبيل الفتوى لأنه نوع من الإفتاء وفق الأهواء، ولا يملك مقومات الفتوى، مشيرا إلى أن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تراشق بالفتاوى سواء بالتحريم أو الاتهام بالخيانة بهدف احتكار آراء الناس في التصويت في الانتخابات.

    12:58 م | تحت قسم , | إقرأ المزيد

    هل تحل العلمانية مشكلة التعددية

    د. جعفر شيخ إدريس
    هل تحل العلمانية مشكلة التعدديةعلى أي أساس يضع المواطنون في بلد ما دستورهم ويصدرون قوانينهم إذا كانوا منقسمين إلى أديان مختلفة؟
    يثير هذا السؤال عدة مسائل:
    المسألة الأولى: أن دعاة العلمانية ولا سيما في بلادنا العربية في هذه الأيام, يقولون: إن الحل الأمثل هو الحل الذي لجأت إليه أوربا وأمريكا وسائر الدول التي قلدتها, وهو أن تكون الدولة علمانية لا تلتزم بدين لكنها لا تمنع أحدًا من ممارسة دينه في حياته الخاصة. بهذا يكون المجال العام, مجال التشريع والتنفيذ والقضاء, مجالاً مفتوحًا لكل أفراد المجتمع يشاركون فيه باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم منتمين إلى هذا الدين أو ذاك, ويكونون بهذا متساوين في حقوقهم السياسية.
    نقول: نعم، إن هذا قد يحدث إذا تنازل كل المنتمين إلى الأديان أو معظمهم عن أديانهم, أو على الأقل عن جانب المجال العام منها, ورضوا بأن يحصروها في الجانب الخاص كما فعل الغربيون. وقد صار كثير من المسلمين المتأثرين تأثرًا شديدًا بالفكر الغربي يعدون هذا أمرًا طبيعيًّا, بل يعدونه أمرًا لازمًا للدولة الحديثة. رأيت ذات مرة في التلفاز أحد هؤلاء وهو يدافع دفاعًا مستميتًا عن الدولة العلمانية, ثم تبين في المقابلة معه أنه من حرصه على أداء الحج بطريقة كاملة لم يكن يكتفي بالسؤال عن أركانه وواجباته بل كان يحرص حتى على مستحباته!
    فهذا إذن رجل يرى أنه يمكن أن ينكر جزءًا من الإسلام ويدعو إلى هذا الإنكار ويظل مع ذلك مسلمًا، ربما لأنه لا يعلم أن من شرط الإيمان بالإسلام أن يؤمن الإنسان به كله ثم يجتهد في أن يطبق منه ما استطاع, وأن من أنكر بعض الدين كمن أنكره كله. قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة:85، 86].
    هذا إذا تبنت الأغلبية المسلمة الموقف العلماني. ولكن ماذا يحدث إذا ظلّ عدد كبير منهم مستمسكًا بدينه كله؟ هل يمكن أن يقال عن أمثال هؤلاء: إن لهم حقوقًا سياسية متساوية مع غيرهم من العلمانيين الذين يشرعون لهم قوانين يخالف بعضها أوامر أديانهم؟ كلا. قد يقال: لماذا لا يقبلون رأي الأغلبية ويعيشون تحت قوانين يعلمون أنها مخالفة لدينهم؟ نقول: هَبْ أنهم فعلوا ذلك, فالسؤال ما يزال قائمًا. هل يقال عن مثلهم: إن لهم حقوقًا سياسية متساوية مع العلمانيين الذين يتولون التشريع له؟ كلا. إذن فالعلمانية لا تحل مشكلة التعددية.
    الثانية: أن الخلافات بين الناس ليست محصورة في الخلافات الدينية, بل هنالك خلافات أخرى كثيرة وعميقة كالخلافات الاقتصادية السياسية بين دعاة الرأسمالية ودعاة الاشتراكية. فهل يشعر الاشتراكي في الغرب أنه مساوٍ سياسيًّا للرأسمالي الذي يُشرع للمجتمع تشريعات اقتصادية مبنية على الرأسمالية؟ وقُلْ مثل ذلك عن بعض الاختلافات الاجتماعية والفلسفية والخُلقية التي لا علاقة لها بالدين.
    كيف تحل هذه المشكلة إذن؟ هذا يقودنا إلى المسألة الثالثة: وهي أن جون رولز الأمريكي الذي كان يعدُّ أكبر فلاسفة السياسة والأخلاق المعاصرين, زعم في كتابه الشهير الليبرالية السياسية political liberalism أنه توصل إلى إجابة عن هذا السؤال لأنه توصل كما يقول إلى مبدأ يمكن أن تتفق عليه كل الأديان والفلسفات والمبادئ الخلقية المتناقضة تناقضات عميقة؛ لأن كلاًّ منها سيجد له مكانًا في دينه أو فلسفته أو معتقده الخلقي بشرط أن يكون ذلك الدين أو تلك الفلسفة أو ذلك المبدأ الخلقي (معقولاً). لكن تبين أن مربط الفرس كما يقولون: إنما هو في كلمة (معقول) هذه. تساءل ناقدوه عن معيار المعقولية هذه عند رولز، فوجدوه يرجع إلى الموافقة على مبادئ فلسفته الليبرالية السياسية. فقالوا له: إنك لم تفعل شيئًا.
    قلت إنك توصلت إلى مبدأ يوافق عليه كل أولئك المختلفين ويجعلونه معيارًا, ويكونون بهذا متساوين سياسيًّا في الدولة الليبرالية الديمقراطية, ثم جعلت شرط موافقتهم عليه أن يكونوا موافقين على فلسفتك السياسية الليبرالية. ولعل من الطريف الذي يبين صدق هذا النقد للقارئ السوداني أن من بين التصورات الدينية التي رآها رولز معقولة كلامًا لمحمود محمد طه نقله إليه أحد الأساتذة, كلامًا يفسر فيه محمود الإسلام تفسيرًا جديدًا لا يكاد يختلف في شيء عن الديمقراطية الليبرالية!
    لقد تعجبت كيف ظن هذا الفيلسوف الكبير أنه سيجد حلاًّ لمشكلة يستحيل عقلاً أن تحل؟ أعني أنه يستحيل عقلاً أن توجد دولة لها دستور وقوانين ترضى عنها كل فئات المجتمع المختلفة؛ لأنها تجد لها مسوغًا في دينها أو فلسفتها أو مبدئها الخلقي.
    الرابعة: أن الحل الممكن عمليًّا كما هو الواقع في البلاد الغربية مثلاً هو أولاً: أن تبنى الحياة في المجال العام على أحد المبادئ التي لا يشترط أن توافق عليها كل فئات المجتمع المختلفة ذلك الاختلاف الذي ذكره رولز, لكنها ترضى بها لكي تعيش مع غيرها في سلام في وطن واحد. لكن هذا يعني بالضرورة أن لا يكون المواطنون متساوين في الحقوق السياسية. وثانيًا أن تكون لهؤلاء المواطنين جميعًا حقوق إنسانية متساوية باعتبارهم مواطنين وبغض النظر عن الحكم الذي يخضعون له.
    الخامسة: يتبين من هذا أن مثل العلمانية في هذا كمثل الحكم الإسلامي في كونها ليست محايدة بين الأديان أو المعتقدات الأخرى كما يصورها لنا القائمون بالدعاية لها؛ لأنها يمكن أن تشرع تشريعات تجيز بعض ما تمنعه بعض تلك الأديان والمذاهب أو تمنع ما تجيزه. وهي ليست بمحايدة بالنسبة للإسلام بالذات بل محادَّة له؛ لأنها يمكن أن تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل. وفي التجربة الأمريكية أدلة كثيرة على أن الدولة العلمانية قد تصدر حتى في مجال الممارسات الخاصة قوانين مخالفة لتعاليم بعض الأديان.
    ومن الأمثلة الطريفة التي يذكرونها أن تعاليم طائفة المورمون, وهي طائفة تنتمي إلى المسيحية, تبيح تعدد الزوجات تعددًا لا حد له فيما يبدو. لكن المحكمة العليا منعتهم من ذلك وألزمتهم بعدم التزوج بأكثر من واحدة. كما أن القوانين في البلاد العلمانية الأوربية تبيح كثيرًا من الممارسات الجنسية التي لا يوافق عليها كثير من اليهود والنصارى المستمسكين بدينهم.
    السادسة: بعض الناس حتى من المنتمين إلى بعض الأديان ما زالوا يفضلون أن يكون الحكم في بلادهم علمانيًّا لا إسلاميًّا؛ لأن بعضهم ما يزال مخدوعًا يظن أن العلمانية محايدة, وأن دولتها دولة مدنية يجد فيها كل المواطنين حقوقًا سياسية متساوية.
    إن هؤلاء يغفلون عن كون العلمانية هي أيضًا دين إذا أخذنا الدين بمعناه العربي الواسع, أو هي على الأقل مذهب من مذاهب الحياة؛ لأنها تتضمن مبادئ وتشريعات وأوامر ونواهٍ. فهي إذن ليست ضد الإسلام وحده، وإنما هي ضد كل دين له تشريعات ومبادئ مختلفة عن تشريعاتها ومبادئها.
    السابعة: من الدعايات التي يلجأ إليها بعض دعاة العلمانية في تنفير غير المسلمين من الحكم الإسلامي زعمهم بأنه ما دامت القوانين التي تصدرها هيئة تشريعية إسلامية هي بالضرورة قوانين دينية, فإن الدولة التي تصدرها تكون قد فرضت عليهم دينًا لا يدينون به. لست أدري لماذا لا يقولون الشيء نفسه عن القوانين التي تصدرها الهيئات التشريعية العلمانية؟! لماذا لا يقولون إن كل قانون تصدره هيئة تشريعية علمانية هو بالضرورة علماني مخالف لدينهم؟!
    لماذا لا ينظرون إلى القوانين الإسلامية نظرتهم إلى القوانين العلمانية فيلتزموا بها؛ لأنها قوانين أصدرتها دولتهم ولا ينظرون إلى عقائد من أصدروها ولا إلى دوافعهم، كما أنهم لا يفعلون ذلك بالنسبة إلى القوانين التي تصدرها الدولة العلمانية؟ إن الدولة العلمانية بإمكانها نظريًّا أن تصدر قوانين متوافقة توافقًا كاملاً مع الإسلام, كأن تمنع الخمر أو الربا, فهل سيقول أمثال هؤلاء إنها لم تعد دولة علمانية بل صارت إسلامية تفرض عليهم دينًا لا يدينون به؟!
    الثامنة: أليس من التناقض أن يكون الإنسان من المنادين بالديمقراطية ثم يعترض اعتراضًا مبدئيًّا على إسلامية دولته مهما كان عدد المطالبين بذلك من مواطنيها؟! كيف توفق بين الديمقراطية التي تعطي المواطنين الحق في اختيار نوع الحكم الذي يريدون وتكون مع ذلك مناديًا بمنع طائفة منهم من هذا الحق؟! إن منع فئة من المواطنين من المناداة بأن تكون دولته إسلامية لا يتأتى إلا باللجوء إلى قوة قمعيَّة تحول بينهم وبين ذلك، كما كان الحال في بعض البلاد العربية.
    تاسعًا: لقد قال كثير من المنادين بالحكم الإسلامي ونقول معهم: إن الحكم الإسلامي ليس حكمًا دينيًّا بالمعنى الغربي للكلمة, أي أنه ليس حكمًا ثيوقراطيًّا يتولى الأمر فيه أناس يزعمون أنهم يتلقون أوامرهم بوحي مباشر من الله تعالى، كما كان بوش يزعم أن الله تعالى أخبره بأن يفعل كذا ويفعل كذا وهو قائم على رأس دولة تعتبر علمانية.
    إن الحكم الإسلامي يختلف عن الحكم الثيوقراطي في ثلاثة أمور مهمة. أوَّلها أنه قائم في النهاية على دستور مكتوب مفتوح لكل الناس هو نصوص الكتاب والسُّنَّة. وثانيهما أنه لا يجبر أحدًا على الدخول فيه كما كانت الطوائف الدينية النصرانية في الغرب تفعل حين تئول السلطة إلى واحدة منها. كان النصارى يخيرون اليهود في الأندلس بين الدخول في النصرانية أو الموت أو مغادرة البلاد. وكانت الطائفة التي تئول إليها السلطة تجبر الطوائف الأخرى على اعتناق معتقداتها. وهذا هو الذي تسبب فيما أسموه في التاريخ الغربي بالحروب الدينية التي كانت -كما يرى بعضهم- هي السبب في نبذ الناس للحكم الديني واللجوء إلى الحكم العلماني.
    وثالثهم إن الحكم الإسلامي يعطي غير المسلمين حقوقًا مثل ما يعطيهم إياها الحكم العلماني أو أكثر. قد يقول بعضهم: كيف تقول هذا والدولة العلمانية تساوي بين المواطنين من الناحية النظرية على الأقل في حقهم في أن يتولوا رئاسة الدولة مثلاً, بينما الإسلام يشترط في من يتولى هذا المنصب أن يكون مسلمًا؟ أقول: والعلمانية تشترط فيه أن يكون علمانيًّا! نعم إنه لا يهمها من الناحية النظرية أن يكون مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا أو بوذيًّا ما دام انتسابه إلى دينه انتسابًا ترضى عنه العلمانية؛ أي أن يكون تدينه تدينًا محصورًا في الجانب الشخصي. أما في المجال العام فهو ملزم بالدستور والقوانين العلمانية.
    وبما أن الإسلام لا يفصل هذا الفصل الحاسم بين جانب الدين الخاص وجانبه العام, بل يعدُّ رأس الدولة إمامًا للمسلمين في دينهم كما أنه إمام لهم ولغيرهم في دنياهم كان من الطبيعي أن يشترط في رأس الدولة أن يكون مسلمًا.

    12:07 م | تحت قسم | إقرأ المزيد

    فخ العلمانيين للأزهر الشريف

    الإسلام اليوم
    فخ وثيقة الأزهرعلى نحو غير مفاجئ، دعا الأزهر الشريف مثقفين ومفكرين إلى اجتماع مشترك لإقرار "وثيقة الأزهر" والتي تَمَّ إصدارها قبل ثلاثة أشهر، وجاءت محصلة لنقاشات أخرى أدارها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مع مثقفين محسوبين في معظمهم على التيارات الليبراليَّة واليساريَّة، غير أن لقاء الطيب والمثقفين أخيرًا، وبصحبتهم عدد من مرشحي الرئاسة المحتملين للرئاسة المصريَّة كان إقرارًا جديدًا لما تمَّ إقراره بالأساس.
    إلا أن اللافت في اللقاء الأخير لشيخ الأزهر مع المفكرين وبعض الشخصيات العامة حضور بعض القوى الإسلاميَّة لهذا اللقاء، والذي استهدف إقرار الوثيقة، فيما ظهر في صدارة المشهد أن اللقاء كان تأييدًا من القوى الإسلاميَّة للوثيقة، حتى ولو كان على سبيل الإقرار والتأييد الضمني.
    قد يكون الأمر مقبولاً في أن يلتقي الإسلاميون في رحاب الأزهر الشريف لإقرار وثيقة من هذا النوع تؤسس لمصر الحديثة والديمقراطيَّة، غير أن البارز أن الوثيقة كانت نتاجًا لمناقشات قوى لا تنكر عداءها للحركات والقوى الإسلامية، وهي القوى التي لا تُخفِي رفضها المطلق لأفكار ورؤى التيار الإسلامي، بل وأصبحت حريصةً اليوم أكثر من أي وقت مضى على إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي العام في مصر، لإخلاء الساحة لأي فكر غير الفكر الإسلامي.
    وهنا يطرح التساؤل نفسه: لماذا كانت الاستعانة بتيارات إسلاميَّة لحضور لقاء شيخ الأزهر، بهدف إلقاء مزيد من الضوء على الوثيقة، التي أعدها يساريون يرغبون في إقصاء الإسلاميين من أي مشهد سياسي؟
    واقع الحال يجيب بأن مليونية 29 يوليو لا تزال ماثلة في أذهان القوى الليبرالية واليسارية، لما حققه الإسلاميون من حضور فاق ثلاثة ملايين في هذه المليونية، التي استهدفت الدفاع عن الشريعة والمطالبة بتطبيقها؛ ولذلك كانت الرغبة من جانب الشيخ الطيب بأن يكون للإسلاميين حضورهم في مناقشة الوثيقة، بعدما أدرك الجميع صعوبة تمرير أي مشروع أو قانون أو حتى ملامح للدستور، وما صار يطلق عليه مبادئ دون مشاركة الإسلاميين؛ خوفًا من تعطيل الموافقة عليه، في حال طرحه للاقتراع عليه.
    ولذلك كان يدرك العلمانيون أن الإسلاميين يمكن أن ينجذبوا إلى أضواء الكاميرات، ولذلك تمت دعوتهم للمشاركة في لقاء شيخ الأزهر لإقرار الوثيقة، حتى فوجئوا جميعًا برفض واسع لهذه الوثيقة من جانب القوى الإسلاميَّة، خاصة وأنها ليست من صنعهم، فلم يشاركوا في إعدادها، وتم تنحيتهم جميعًا من التواجد على طاولة بحثها، في الوقت الذي خرجت فيه من صنع العلمانيين واليساريين ومن لف لفيفهم، وثلة من بعض المحسوبين على الفكر الإسلامي، والذين ينازعهم اليسار في هذا الفكر، أو ما يعرف باليسار الإسلامي!
    أمثال هؤلاء أصدروا وثيقة ستظل وصمة عار في جبين الأزهر الشريف في أن يصدر اليساريون ومن شاركهم للأزهر وثيقة تحمل اسم هذه المؤسسة الإسلاميَّة العريقة، وتحدد مستقبل مصر السياسي، تدعو إلى ما أصبح لقمة سائغة في أفواه كثيرين للدولة المدنيَّة، والتي تعني في عرفهم الدولة المناهضة للدين، وتدعو إلى إتاحة الحريات على إطلاقها، ولمن يمارس شعائره، حتى إذا أراد من يسمون أنفسهم بعُبَّاد الشيطان ممارسة شعائرهم الفاسدة فإن على الأزهر الشريف وفق وثيقته التي تحمل اسمه أن يسمح لهم بذلك ولا يعطل ممارستهم لها، إضافةً إلى أن من أراد أن يطلق الحرية الفنية لإبداعه، بنشر الفسق والفجور في المجتمع بدعوى الحرية، فإن الأزهر وفقًا للوثيقة ينبغي أن يبارك له ذلك، حيث تشترط الوثيقة عدم نقد كل ما يحض على النيل من الإبداع الفني وحريته!
    فضلاً عن ذلك، فإن من أراد أن يختط لنفسه تيارًا فكريًّا، فله ذلك، حتى لو كان يساريًّا أو خلاف ذلك، كل ذلك برعاية الأزهر، وإشراف منه، وبمباركة من شيخه، الذي وجد نفسه بين اليساريين، دون أن يجد نفسه بين الإسلاميين، وفق ما صرَّح به الشيخ نفسه بأنه وجد نفسه بين القوى التي أعدت الوثيقة، على الرغم من أن لقاء الشيخ بهذه القوى استتبع لقاءه بالقوى الإسلاميَّة، غير أن الشيخ يبدو أنه كان له خياره، الذي أعلن عنه وصرح به بعد إعداد الوثيقة بأنه وجد نفسه بين معديها، الذين يشنون حملات إعلاميَّة وتحريضيَّة على الإسلاميين أكثر من غيرهم.
    لقد تصور الإسلاميون وقت أن جلسوا مع الشيخ، وقبيل إصدار الوثيقة، أنه سيعضد مطالبهم بإقامة دولة إسلاميَّة، يحكم فيها كتاب الله، وأنه سيناصرهم وينصرهم على من يعاديهم، غير أنهم سرعان ما اكتشفوا أن مثل هذه اللقاءات المشتركة لم تخرجْ سوى عن التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، وأن الشيخ لم يجد نفسه بينهم، ولذلك لجأ إلى العلمانيين أو غيرهم، أو هم لجئوا إليه، حتى تجالسوا، فوجدوا أنفسهم بين بعضهم البعض، في الوقت الذي كان يطمع فيه الإسلاميون أن يكون الأزهر مرجعًا إسلاميًّا لهم، وأن يكون الطيب شيخهم، وليس شيخًا للأزهر فقط.
    غير أنه سرعان ما انكشفت الحقيقة بصدور الوثيقة المزعومة، وأنها صدرت في غيبة الإسلاميين، بل أنها صدرت بحضور ثلاثة من أهل الكتاب، بل وصدرت في كثير منها ما يخالف الفكر الإسلامي وشريعته، والأعجب أن معدي الوثيقة كثيرًا ما انتقدوا الإسلاميين لاشتغالهم بالسياسة، على خلفية مطالباتهم بتجنيب المؤسسات الدينية العمل السياسي، وإقصاء الدين الإسلامي عنه، وكأنهم بوثيقتهم يريدون أن يقولوا للإسلاميين: السياسة ليست لكم، ولكنها لغيركم، وما عليكم إلا أن تسمعوا وتطيعوا لما يقدَّم لكم، فالحق ما يتمّ إقراره لهم، وليس ما يصنعونه هم بأيديهم.

    11:51 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

    عدل الرسول مع غير المسلمين في القضاء

    العدل في القضاء

    العدل في القضاءإن كنا نعجب من مواقف عدل الرسول التي مرَّت بنا في المقالات السابقة، فالعجب كل العجب من مواقف رسول الله عندما يحكم بين مسلم وغير مسلم؛ فالعدل عنده أمر مُطلق لا يتوقف عند أصحاب الأديان والأجناس والعصبيات والمصالح المخالفة، ولا غير ذلك من الوشائج الأرضية والعلاقات الدنيوية.
    وأمثال هذه المواقف في السيرة النبوية كثيرة..
     رسول الله وبنو أبيرق واليهودي
    منها ما حدث عندما سرق رجل من المسلمين من إحدى قبائل الأنصار من بني أبيرق بن ظفر بن الحارث، وكان اسمه في رواية: «طعمة بن أبيرق»، وفي رواية أخرى: «بشير بن أُبيرق»، وكان هذا الرجل قد سرق درعًا من جارٍ له مسلم يقال له: «قتادة بن النعمان»، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: «زيد بن السمين»، فالتُمِسَتِ الدرع عند «طعمة» فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره. فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمة بن أُبيرق!! فجاء بنو ظفر -وهم قوم طعمة- إلى رسول الله ، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهَمَّ رسول الله أن يعاقب اليهودي، فأنزل الله هذه الآيات من سورة النساء: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 105- 112]
    لقد اعتقد رسول الله أن السارق هو اليهودي لوجود القرائن ضده، ولكن الوحي نزل بخلاف ذلك؛ فلم يكتم شيئًا -وحاشاه- بل قام وأعلن بوضوح وصراحة أن اليهودي بريء، وأن السارق مسلم!!
    وليس الأمر هينًا..!!
    إن التبرئة تأتي في حق يهودي اجتمع قومه من اليهود على تكذيب الإسلام، والكيد له، والطعن في رسوله ، وبثِّ الفرقة بين أتباعه.. ومع ذلك، فكل هذه السلبيات والخلفيات لا تبرِّر اتهام يهودي بغير حق.
    وهذا الاتهام في حق رجل مسلم من إحدى قبائل الأنصار، وما أدراك من هم الأنصار!! هم الذين آووا ونصروا، وهم كَرِشُ الرسول وعيبته، وهم أهل دار الإسلام، وعلى أكتافهم قامت الدولة الإسلامية، ولكن كل هذا ليس مبررًا لتبرئة سارقٍ منهم، ولو كان على حساب يهودي.
    إضافةً إلى أن هذا الموقف قد يُعطي مساحة جديدة لليهود يكيلون فيها التُّهم والادعاءات للمسلمين: فها هم المسلمون يسرقون، وها هم يرمون الأبرياء بالتهم، وها هم يجتمعون على نصرة ظالم، وها هم يكذبون. إنها مِساحة واسعة قد أُتيحت لليهود؛ ليواصلوا طعنهم في جسد الأمة الإسلامية.
    برغم هذه الخلفيات، كان لا بُدَّ من إحقاق الحق وإقامة العدل.
    إن الأمر لم يكن مجرد تبرئة رجل وإدانة آخر، «إنما كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة؛ لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية، وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض، ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوِّق على كل ما تعرف البشرية، وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتى يُمَحَّصَ كيانُها تمحيصًا شديدًا، وتُنْفَضَ عنه كل خبيئة من ضعف البشر، ومن رواسب الجاهلية، وحتى يقام فيها ميزان العدل -لتحكم به بين الناس- مجردًا من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئًا كبيرًا لا يقدرون على تجاهله!»
    ونتساءل من جديد -وسيكثر هذا التساؤل- هل هناك مثل هذه المواقف في تاريخ أمة غير أمة الإسلام؟!! هل بلغ أي قائد من قوَّاد الأرض مثلما بلغ رسولنا من التجرُّد للحق، وإظهار العدل وتطبيقه، ومن السماحة والأمانة في التعامل مع غير أتباع دينه؟!!
     رواية الترمذي لقصة بني أبيرق
    ومن الجدير بالذكر في القصة السابقة أن نذكر أن هذا المسلم الذي قام بالسرقة -واتَّهم بها اليهودي- كان من المنافقين الذين ظهر نفاقهم وتأكَّد بعد هذه الحادثة، وهذا واضح فيما رواه الترمذي عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيتٍ منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا. فإذا سمع أصحاب رسول الله ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث -أو كما قال الرجل- وقالوا: ابن الأبيرق قالها. قال: وكان أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها، فخص بها نفسه وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مَشْربة له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف، فعُدي عليه من تحت البيت فنُقبت المشربة وأُخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه ونُقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا. فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: وكان بنو أبيرق قالوا -ونحن نسأل في الدار-: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل -رجلاً منا له صلاح وإسلام- فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟! فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينُنَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنها أيها الرجل، فما أنت بصاحبها.
    فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبي : «سَآمُرُ فِي ذَلِكَ». فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له: أسير بن عروة فكلموه في ذلك؛ فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله فكلمته، فقال: «عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبْتٍ وَلاَ بَيِّنَةٍ». قال: فرجعتُ ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ، فقال: الله المستعان. فلم يلبث أن نزل القرآن {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].
    فلما نزل القرآن أتى رسول الله بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عمي أو عشي في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفتُ أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلاقة بنت سعد بن سمية فأنزل الله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 115، 116].
    فلما نزل على سلاقة رماها حسان بن ثابت t بأبيات من شعره، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمت به في الأبطح ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟! ما كنت تأتيني بخير. بل إنه -في بعض الروايات- هرب إلى مكة مرتدًّا، ومات بها
    وإذا كان هذا الحكم العادل قد جاء في حق اليهودي على حساب مسلم ضعيف الإيمان مذبذب العقيدة، فإن هذا الحكم لم يصدر لشكٍّ في إيمان المسلم وعقيدته، بل كان سيصدر مهما كان المخطئ؛ لأن الشريعة لا تُحابي أحدًا، والرسول لا يجامل أصحابه ومعارفه.
    قصة جابر بن عبد الله  ويهودي
    وإن شئت الإيضاح أكثر لهذا المعنى، والتأكيد بصورة أعمق لهذه الحقيقة، فراجع هذه القصة العجيبة التي حدثت بين يهودي وأحد الصحابة المكرمين، والذي كان مقرَّبًا جدًّا إلى قلب رسول الله ، وهو جابر بن عبد الله بن حرام –رضي الله عنهما، وهو من الصحابة الكرام الذين حضروا بيعة العقبة الثانية في طفولته مع أبيه «عبد الله بن حرام»، وشهد المشاهد كلها ابتداءً من أُحد أو التي عدها
    يروي جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- فيقول: «كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجِداد -وكانت لجابرٍ الأرض الَّتي بطريق رومة- فجلستُ، فخلا عامًا، فجاءني اليهوديُّ عند الجِداد، ولم أجدَّ منها شيئًا، فجعلتُ أستنظره إلى قابل فيأبى، فأُخبر بذلك النبي ، فقال لأصحابه: «امْشُوا نَسْتَنْظِرْ لِجَابِرٍ مِنَ الْيَهُودِيِّ».
    فجاءوني في نخلي، فجعل النبي يُكلِّم اليهوديَّ، فيقول: أبا القاسم، لا أنظره.
    فلمَّا رأى النبي قام فطاف في النخل، ثمَّ جاءه فكلَّمه فأبى، فقمتُ فجئتُ بقليل رطبٍ فوضعته بين يدي النبي ، فأكل ثمَّ قال: «أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ؟» فأخبرتُه، فقال: «افْرُشْ لِي فِيهِ». فَفَرَشْتُهُ، فدخل فرقد ثمَّ استيقظ، فجئتُه بقبضةٍ أخرى، فأكل منها ثمَّ قام فكلَّم اليهوديَّ فأبى عليه، فقام في الرِّطاب في النَّخل الثَّانية ثمَّ قال: «يَا جَابِرُ، جُدَّ وَاقْضِ». فوقف في الجداد فجددت منها ما قضيته، وفضل منه، فخرجت حتى جئت النبي فبشَّرته، فقال: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ»
    فهذه قصة عجيبة يستدين فيها جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- من يهودي، فيأتي ميعاد سداد الدين، وليس مع جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- ما يقضي به دَينه، فجعل يطلب من اليهودي أن يؤخره عامًا حتى يستطيع السداد -وكان جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- من الفقراء المدينين- لكن اليهودي أَبَى وأصرَّ على أن يأخذ دَينه في موعده، فأخبر جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- رسولَ الله بالأمر، وطلب منه أن يتوسط بينه وبين اليهودي، وقام رسول الله بالفعل، بل أخذ معه بعضًا من أصحابه، وذهب إلى اليهودي يستشفع لجابر، فيقول جابر t: فجعل رسول الله يكلِّم اليهودي. أي أنه أكثر في الكلام والاستشفاع عنده، لكن اليهودي رفض بكل وسيلة، وكان مصرًّا على قوله: أبا القاسم، لا أنظره.
    هذا موقف يقع فيه أحد الأصدقاء المقربين إلى قلب من يحكم المدينة المنورة بكاملها في أزمة مع أحد رعايا هذه المدينة وهو اليهودي، إنه يريد تأجيل سداد الدين وليس المماطلة فيه أو التغاضي عنه، والرسول بنفسه يستشفع له، ولكن اليهودي يرفض، ومع ذلك لم يجبر زعيم الأمة الإسلامية وقائد المسلمين ورسول ربِّ العالمين ذاك اليهوديَّ أو يُكْرِهْهُ على قبول استشفاعه!
    لم ينظر رسول الله هنا إلى صورته التي قد يستضعفها المراقبون والمحللون للموقف، ولم ينظر إلى حبِّه لجابر بن عبد الله وقُرْبِهِ من قلبه، ولم ينظر إلى تاريخ اليهود العدائي مع المسلمين؛ لم ينظر إلى كل هذه الاعتبارات ولا إلى غيرها، إنما نظر فقط إلى إقامة العدل في أسمى صوره.
    إن الحق مع اليهودي، والسداد واجب، والاستشفاع مرفوض من صاحب الحق، فليكن السداد، وليكن الإنصاف لليهودي غير المسلم، ولو كان من صحابي جليل وابن صحابيٍّ جليلٍ.
    إن هذا هو الإسلام حقًّا..
    لم يكن هذا تكلفًا من الرسول ، ولا تجملاً منه، إنما كان التطبيق الطبيعي لقواعد الدين.
    يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135].
    إن الشفقة على جابر لفقره لم تكن مبررًا للحكم له ضد اليهودي.
    يقول الشوكاني في فتح القدير في تفسير هذه الآية {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا}: «إن يكن المشهود عليه غنيًّا فلا يُراعى لأجل غناه استجلابًا لنفعه أو استدفاعًا لضره؛ فيترك الشهادة عليه، أو فقيرًا فلا يُراعَى لأجل فقره؛ رحمةً له وإشفاقًا عليه، فيترك الشهادة عليه»

    11:36 ص | تحت قسم | إقرأ المزيد

    الدستور أولا .. معركة العلمانيين لتهديد الثورة

    السيد أبو داود
    الدستور اولا ام الانتخابات اولاالمعركة الدائرة على الساحة المصرية منذ فترة بين مختلف الاتجاهات العلمانية والاتجاه الإسلامي حول أسبقية الانتخابات أم وضع الدستور أولاً، أصبحت هي المعركة الأولى على الساحة المصرية الآن، وبعد مرور أربعة أشهر على نجاح الثورة، وأدّت هذه المعركة إلى استقطاب حاد في الشارع المصري بين فريقين:
    الفريق الأول: فريق يرى ضرورة الالتزام بخريطة الطريق التي حددها الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية، وهي تقتضي أن تجرى الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم ينتخب نواب البرلمان من بينهم لجنة من مائة تستعين بمن تراه من أهل الخبرة من خارجها لوضع مشروع الدستور، ثم يطرح هذا المشروع للاستفتاء. وهذا الفريق يمثله الإسلاميون وبعض القوى الثورية وقطاع من المثقفين.
    والفريق الثاني يضم غالبية التيارات العلمانية ومعهم الكنيسة، وهم يرون ضرورة وضع الدستور أولاً ثم الاستفتاء عليه، ثم تجرى الانتخابات البرلمانية بعد ذلك.
    لبُّ القضية هو في أن القوى العلمانية تخشى (أو لنقل تعلم يقينًا) أن الإسلاميين (إخوانًا وسلفيين) هم التيار المقبول شعبيًّا، والذي من المنتظر أن يحصد الأغلبية البرلمانية، وبالتالي يكون مهيمنًا على وضع الدستور، فيضعه وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، التي لا يحبها ولا يريدها العلمانيون ومعهم الكنيسة.
    ومن هنا أطلقت هذه القوى دعوتها، التفافًا على الديمقراطية، واستعلاءً على المواطنين، وكان على هؤلاء الذين يدعون لـ"الدستور أولاً" احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، وعدم تجاهل نتائج الاستفتاء الذي حصل على رأي الأغلبية.
    ومن عجائب مطالب هذه القوى العلمانية المعلنة أنهم يريدون أن يضعوا "نصوصًا" فوق دستورية تمنع من قيام أي حزب أو جماعة بفرض تفسيرها للمرجعية الإسلامية، بصورة تتجاوز قواعد المواطنة والمساواة والديمقراطية؛ لذا فإنهم يريدون تحصين المواد المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية ضد أي محاولة لتعديلها في المستقبل.
    مبرر هؤلاء أنهم يخافون من تيار أو حزب إسلامي متشدد، لكن واقعهم يؤكد أن مخاوفهم تشمل كل التيار الإسلامي بكل أحزابه وجماعاته؛ أي أنهم يعتقدون أن حزبًا إسلاميًّا ما، سوف يكشف عن وجه متشدد في المستقبل، وسوف يحظى بتأييد شعبي واسع يمكّنه من الحصول على ثلثي مقاعد مجلس الشعب، ليطلب تعديل الدستور، أو تغييره كله، وأنه سوف ينجح في تحقيق الأغلبية اللازمة لتعديل الدستور، وسوف يحظى بتأييد شعبي واسع على التعديلات التي خطط لها.
    مشكلة العلمانيين أنهم مرعوبون من الإسلاميين، وفي الوقت نفسه لا يثقون في أنفسهم وفي قدراتهم وفي شعبيتهم، وهم يخافون تمامًا من الشارع ومن الاحتكام إليه؛ لإدراكهم أنهم منفصلون عنه ولا يمثلونه، وأنه لا يتفاعل معهم ولا يحبهم ولا يريدهم؛ ولذلك فإنهم يريدون منع الإسلاميين من حقهم الطبيعي في الحصول على حقوقهم السياسية التي يكفلها لهم تعبيرهم عن الشارع. ولذلك فإنهم يعملون بكل ما يستطيعون للحيلولة دون أن يأخذ الإسلاميون حقوقهم، فيسعون إلى وضع قيود دستورية تمنع أغلبية الشعب من تعديل الدستور.
    القوى العلمانية تريد أن تتحايل لكي يكون صندوق الانتخاب ليس هو القاعدة، ولكي تكون الأغلبية ليست صاحبة القرار؛ حتى لا تتمكن من تعديل الدستور.
    القوى العلمانية التي تنادي بأن يكون الدستور أولاً لا تثق في المجتمع المصري، وتفترض أن هذا المجتمع متطرف ومؤيد للمتطرفين، ولا تعترف بأن هذا المجتمع الذي صنع ثورة 25 يناير العظيمة مجتمع حي وواعٍ ومعتدل. والتناقض هنا في أن العلمانيين دائمًا يرددون أن المجتمع المصري يخشى من الإسلاميين ولا يحبهم ولا يريدهم.. هذا في العلن وأمام الإعلام، أما في مكنون أنفسهم فإنهم على يقينٍ من أن الإسلاميين يحظون بدعم شعبي هائل.
    وهكذا فإننا نجد أنفسنا أمام موقف علماني مؤسف يفترض أن الشعب المصري متطرف يحب المتطرفين ويؤيدهم؛ ولذلك فلا بد من وضع الدستور أولاً، وكذلك وضع مواد "فوق دستورية" غير قابلة للتعديل، ومعنى ذلك أن المجتمع المصري غير مؤتمن على الدستور الجديد، وعلى التحول الديمقراطي، وأن هذا التحول إلى الحرية والعدالة لن يكون إلا بأيدي العلمانيين فقط.
    بعض الاتجاهات الإسلامية والوطنية، في محاولة لاحتواء الجدل الذي من شأنه أن يهدد وحدة المجتمع المصري بعد الثورة، عقدت لقاءً بهدف الوصول لصياغة رؤية وسطية تجمع كافة القوى السياسية وتنهي الجدل القائم، واتفقت على احترام الشرعية الديمقراطية والالتزام بإجراء الانتخابات أولاً، ثم تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع دستور البلاد الجديد، ولكن مع إرجاء ميعاد الانتخابات البرلمانية نظرًا للظروف الأمنية مع إعطاء جميع الأحزاب والمرشحين المستقلين فرصة حقيقية للتفاعل مع تعديلات قانون الانتخابات والاستعداد للانتخابات وفقًا للنظام الجديد.
    وحرصًا على تمثيل كافة طوائف الشعب بالجمعية التأسيسية لوضع الدستور ولحل أزمة غياب التوازن بالبرلمان القادم ومن ثَمَّ الجمعية التأسيسية، رأت هذه الاتجاهات أن الحل يتمثل في الاجتهاد الجماعي لتحديد معايير رشيدة وموضوعية لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية على نحو يضمن تمثيل كافة القوى السياسية والمجتمعية، ويضمن حضورًا متوازنًا للمواطنين المصريين بغير تمييز بسبب الدين أو الجنس.
    كما شددت هذه الاتجاهات الوطنية والإسلامية على توحد القوى السياسية حول مجموعة من المبادئ الدستورية الأساسية، تضمن احترام كرامة وحريات المواطنين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية ومدنية الدولة الملتزمة بسيادة القانون والديمقراطية ومواطنة الحقوق المتساوية وتداول السلطة، بحيث تشكل إطارًا أخلاقيًّا وفلسفيًّا وسياسيًّا لوضع الدستور الجديد من قبل الجمعية التأسيسية، واستنادًا إليها تتأسس قواعد اللعبة السياسية إلى حين الانتهاء من وضع الدستور بعد توافق وطني.
    إلا أن القوى العلمانية تصر على موقفها بضرورة وضع الدستور أولاً، مستقوية بالرأي الشخصي الذي أعلنه د. عصام شرف رئيس الوزراء ونائبه د. يحيي الجمل بأنهما يؤيدان (بصفة شخصية) وضع الدستور أولاً. لكن القوى الإسلامية والوطنية التي تتمسك بشرعية الاستفتاء اعتبرت أن رئيس الوزراء ونائبه ينحازان إلى "أقلية"، متجاهلين رأي الأغلبية التي صوتت بـ"نعم" في الاستفتاء الدستوري، معتبرين الانقضاض على الشرعية انقضاضًا على أول عُرس ديمقراطي تشهده مصر بعد الثورة. كما تعتبر القوى السياسية والوطنية أن النُّخب العلمانية تُريد أن تحكم من خلال الصوت العالي في الإعلام، وتمارس تأثيرها دون تفويض شعبي.
    ولو كانت القوى العلمانية مخلصة في دعاواها لأعلنت أنها تريد تحقيق إجماع وطني على مجموعة من المبادئ، منها ضرورة الاتفاق على عدد من المبادئ والضمانات الرئيسية التي تحمي المواطن وتحمي حقوقه الأساسية بين التيارات السياسية المختلفة، بحيث يكون هناك قدر من التوافق العام في المجتمع حول فلسفة الدستور القادم، فتعمل الجمعية التأسيسية في إطار من المرجعية الفكرية التي تعبر عن وجدان وقناعات الشعب المصري وما يحقق مصالحه.
    ولو كانت القوى العلمانية مخلصة في دعاواها لأعلنت أنها تريد أن يتمسك المصريون جميعًا بأن تكون الجمعية التأسيسية -سواء تشكلت بإرادة مجلس الشعب، أم بإرادة الشعب مباشرة، أم بقرار من المجلس العسكري- معبرة عن كل القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع وجميع المصالح والطوائف والأقاليم والتخصصات.
    لكن العلمانيين لا يريدون ذلك، إنهم يريدون شيئًا واحدًا هو إبعاد التيار السياسي الرئيسي (التيار الإسلامي) من أن يأخذ حقه القانوني ويمثل الشعب ويسعى إلى وضع دستور متوازن يعبر عن المصريين جميعًا. ونسي هؤلاء أن الإسلاميين أكثر ديمقراطية من العلمانيين الذين طالما انحازوا للقوى الخارجية ضد الوطن ومصالحه.
    ولهؤلاء العلمانيين نهدي ما كتبه مؤخرًا بوبي جوش بمجلة تايم الأمريكية الذي قارن بين وضع الإسلاميين في العراق عقب سقوط صدام حسين ومرحلة ما بعد مبارك، وقال: إنه مع سقوط صدام حسين اندهش الكثير من المحللين الغربيين من سهولة إنشاء القوى الدينية نظامًا سياسيًّا تعدديًّا، بعكس الأحزاب العلمانية التي عاش قادتها في الديمقراطيات الغربية لعقود، بينما أقام الإسلاميون في بلدان مثل سوريا وإيران. وقال جوش: إن نفس الشيء يصدق على مصر، فعلى الرغم من ظهور ما لا يعد ولا يحصى من الحركات السياسية العلمانية والليبرالية واليسارية، فإن "الإخوان المسلمين" وحدهم هم من قرأ بوضوح مرحلة ما بعد مبارك، وأنهم وضعوا القوى العلمانية في مأزق عقب تأييد الإسلاميين للتعديلات الدستورية، التي فازت بأكثر من 77% من الأصوات الشعبية، وهذا الخيار وضع الليبراليين في موقف معادٍ للديمقراطية.
    محاولات العلمانيين للانقضاض على نتائج الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية لا تنتهي، فدشنوا حملة لجمع 15 مليون توقيع لرفعها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة لتأييد خيار الدستور أولاً، ومبرر الـ 15 مليون توقيع هو أن تكون أكبر من الـ 14 مليون الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية. وهي محاولة بائسة ويائسة؛ لأنه لا شرعية ولا قانونية لتوقيعات لا نعرف عنها شيئًا ولا عمَّن وقعها أو أشرف عليها وإن كانت مزورة أو صحيحة، ولا يمكن لها أن تكون ملغية لاستفتاء شعبي دستوري وقانوني تم تحت إشراف مؤسسات الدولة بشفافية كاملة.
    وضمن المحاولات العلمانية أيضًا للالتفاف على نتائج التعديلات الدستورية، المطالبة باللجوء إلى مجلس الدولة من أجل النظر في جواز الالتزام بنتائج الاستفتاء الدستوري واحترام إرادة الشعب، أم يمكن لنا تجاهل ذلك كله. لكن المستشار الدكتور محمد عطية، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة ورئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، قطع الطريق على هذه المحاولات بتأكيده أنه لا محل لتقديم أي طلب للمجلس يخالف الشرعية وسيادة القانون اللتين أقرهما الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية في 19 مارس الماضي، وما يقال عن تقديم طلب لوضع "الدستور أولاً" هو مخالف للشرعية التي أقرتها أحكام المادة 60 من الإعلان الدستوري، والتي تنص على أنه "يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلس شعب وشورى في اجتماع مشترك بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال 6 أشهر من انتخابهم لانتخاب جمعية تأسيسية من 100 عضو تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيله".
    إنهم يريدون التخييل على الناس بالحديث عن أنهم خمسة وثلاثون حزبًا وائتلافًا سياسيًّا، والحقيقة أنهم مجموعات صغيرة ولا يملكون أي وجود قانوني أو شرعي أو شعبي.
    وأخيرًا، فإن هؤلاء الذين يطالبون بالانقلاب على نتيجة التعديلات الدستورية هم الذين كانوا أقوى المؤيدين لنظام مبارك قبل أن يركبوا موجة الثورة ويتحدثوا باسمها، وهم نفس الأسماء التي طالبت الناس بالانصراف من ميدان التحرير إلى بيوتهم؛ لأن الرئيس البائد قد وعد بالإصلاحات

    11:16 ص | تحت قسم , | إقرأ المزيد

    الأرشيف